فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 402

العقلية التي يُعلم بها صدق الرسول، فإن العلم بصدق الرسول مبني على مسائل معينة، فإذا أخطأ فيها لم يكن عالمًا بصدق الرسول فيكون كافرًا قيل (أي قول أهل السنة في الرد عليهم) تصديق الرسول ليس مبنيًا على مسائل معينة من مسائل النزاع، بل ما جعله أهل الكلام المحدث أصلًا للعلم بصدق الرسول كقول من قال من المعتزلة والجهمية أنه لا يُعلَم صدق الرسول إلا بأن يُعْلَم بأن العالم حادث، ولا يعلم ذلك إلا بأن يعلم أن الأجسام محدثة، ولا يعلم ذلك إلا بالعلم بأنها لا تنفك عن الحوادث، أما بالإعراض مطلقًا، وإما الألوان، وإما الحركات، ولا يعلم حدوثها حتى يعلم امتناع حوادث لا أول لها، ولا يعلم أنه صادق حتى يعلم أن الرب غني، ولا يعلم غناه حتى يعلم أنه ليس بجسم، ونحو ذلك من الأمور التي تزعم طائفة من أهل الكلام أنها أصول لتصديق الرسول، ولا يعلم صدقه بدونها، هي مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه لم يجعل إيمان الناس موقوفًا عليها، بل ولا دعا الناس إليها، ولا ذُكِرت في كتاب ولا سنة، ولا ذكرها أحد من الصحابة، لكن الأصول التي يعلم بها صدق الرسول مذكورة في القرآن وهي غير هذه كما بينا في غير هذا الموضع، وهؤلاء الذين ابتدعوا أصولًا زعموا أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا بها، وأن معرفتها شرط في الإيمان، أو واجبة على الأعيان هم أهل البدع عند السلف والأئمة، وجمهور العلماء يعلمون أن أصولهم بدعة في الشريعة، لكن كثيرًا من الناس يظن أنها صحيحة في العقل، وأما الحذّاق من الأئمة، ومن اتبعهم فيعلمون أنها باطلة في العقل مبتدعة في الشرع، وأنها تناقض ما جاء به الرسول وحينئذ فإن كان الخطأ في المسائل العقلية التي يقال أنها -أصول الدين- فهؤلاء السالكون هذه الطرق الباطلة في العقل المبتدعة في الشرع هم الكفار لا من خالفهم، وإن لم يكن الخطأ فيها كفرًا فلا يكفر من خالفهم فيها؛ فثبت أنه ليس كافرًا في حكم الله ورسوله على التقديرين، ولكن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالًا يجعلونها واجبة في الدين؛ بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه، ويُكفّرون من خالفهم فيها ويستحلون دمه كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم" [1] ."

فهذا الكلام من شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا التفصيل الواسع يزيل الفهم الفاسد الذي فهمه البعض من كلامه في"الماردينية"، فصعّد النظر فيه حتى تعلم أن شيخ الإسلام إنما أراد بالإنكار على من كفّر بمسائل الأصول أهل البدع من المعتزلة وأتباعهم من بعض العلماء الذين انتهجوا منهج المتكلمين في هذه المسائل الذين قال عنهم شيخ الإسلام في آخر النص:"وهؤلاء الذين ابتدعوا أصولًا زعموا أنه لا يمكن تصديق الرسول إلا بها، وأن معرفتها شرط في الإيمان، أو واجبة على الأعيان هم أهل البدع"، وقوله رحمه الله عنهم:"كان الخطأ في المسائل العقلية التي يقال أنها أصول الدين كفرًا"وبتأمل سائر كلامه السابق تعرف إنما

(1) - منهاج السنة النبوية: (3/ 22 - 23) ط بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت