قصد أصول المتكلمين المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي يكفرون فيها مخالفهم، فإن قال قائل: ألسي هناك من نص آخر يقوي من صحة ما تقول؟.
فالجواب: بلى، وإليك هو:
نص آخر يقوي مراد ابن تيمية بالأصول والفروع التي من اصطلاحات أهل البدع:
يتكلم شيخ الإسلام رحمه الله عن تفريقات المتكلمين في كتابه:"درء تعارض العقل والنقل"ويوضح خطأ متأخري الفقهاء من أتباع أبي محمد الجويني صاحب"الإرشاد"حيث إن هؤلاء دخلت عليهم هذه المسالك المبتدعة المأخوذة عن المعتزلة والجهمية، وأوضح رحمه الله أنهم وقعوا في ذات البدعة التي وقع فيها من قبلهم حيث أن هؤلاء جعلوا أصول الدين التي يكفر من خالفها هي علم الكلام. وفي ذلك يقول رحمه الله:
"وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض، فمن كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفّر مخالفه إن لم يكن قوله مما يبين الشرع أنه كفر؛ لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرًا في الشرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل تجب في الشرع معرفته، ومن العجب قول من يقول من أهل الكلام: إن أصول الدين التي يكفر مخالفها هي علم الكلام الذي يعرف بمجرد العقل، وأما ما لا يعرف بمجرد العقل فهي الشرعيات عندهم، وهذه طريقة المعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم كأتباع صاحب"الإرشاد"وأمثالهم. فيقال لهم: هذا الكلام تضمن شيئين؛ أحدهما: أن أصول الدين هي التي تعرف بالعقل المحض دون الشرع، والثاني: أن المخالف لها كافر، وكل من المقدمتين وإن كانت باطلة فالجمع بينهما متناقض" [1] انتهى بحروفه.
وهذا النص الأخير لشيخ الإسلام ابن تيمية يقطع لك دون أدنى شك بصحة ما قلناه فهذا هو شيخ الإسلام نفسه ينقل عن المتكلمين أن مسائل الأصول عندهم التي فرقوا بينها وبين مسائل الفروع هي علم الكلام المعروف بمجرد العقل، وجعلوا ما عدا ذلك شرعيات، وذكروا أن المخالف للنوع الأول كافر عندهم، وإن كان مخطئًا، أو جاهلًا، أو متأولًا، وعلى ضوء هذا تستطيع أن تفهم معنى كلام شيخ الإسلام في"الماردينية"الذي يقول فيه:
(1) - درء التعارض: (1/ 144) .