ومن خلال هذه النصوص تعرف مقصد المتكلمين بلفظ الأصول، وما أدخلوا فيه من المعاني الباطلة وتكفير مخالفيهم.
الوجه الرابع:
أن هذا التفريق في مسألة الإعذار بالجهل بين مسائل يعذر فيها ومسائل لا يعذر فيها الذي سبق في الفصل السابق يختلف تمام الاختلاف عن المراد بتفريق المتكلمين للأصول والفروع، ومما يزيد الأمر إيضاحًا لهذا الاختلاف هو أن الضابط الذي ضبط به المتكلمون تفريقهم بين ما أسموه بمسائل الأصول ومسائل الفروع ضابط فاسد مخالف للنصوص الشرعية مصادم لها يؤدي في النهاية إلى إبطالها، وعدم الاحتجاج بها، ولذلك شدد العلماء النكير عليهم في تفريقاتهم المبتدعة، ومن تلك الضوابط التي ضبط بها المتكلمون اختلاف الأصول عن الفروع قولهم:
1 -إن الأصل هو ما لا يجوز إثباته بخبر الواحد، والفرع هو ما يجوز إثباته بخبر الواحد، والفرع هو ما يجوز إثباته بخبر الواحد. هذا ضابط المتكلمين الذي يفرقون به بين كون المسألة من الأصول والفروع، فكان من نتاج هذا التفريق الفاسد أنهم ردوا كثيرًا من الأحاديث والآثار الواردة في إثبات بعض الصفات التي ينكرها هؤلاء -كصفة العلو والنزول والمجيء والقَدَم .. وغيرها- بدعوى أن هذه من مسائل الأصول ولا يجوز أن يحتج في إثباتها بخير الواحد فكان من نتاج دعوتهم الفاسدة تعطيل النصوص الشرعية التي وردت في إثبات هذه الصفات، ولذا تتابع أهل العم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم في الإنكار عليهم في جنس تفريعاتهم المبتدعة وقالوا لهم: إنهم لا يملكون تفريقًا واضحًا بين ما أسموه بمسائل الأصول ومسائل الفروع، وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم في الرد عليهم في منعهم الاحتجاج بالنصوص والآثار التي وردت في إثبات بعض الصفات مع كونهم يحتجون بمثيلات هذه النصوص عند كلامهم على الشرعيات فيقول:
"المقام الخامس: إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يُحتجّ بها في أحدهما دون الآخر، وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولم يزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ولم ينقل عن أحد منهم ألبته أنه جوّز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟ نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله"