هذا الاقتباس القرآني تجعل من شفا (وهو جبل من جبال وسط الجزائر) محط إعجاب وإثارة للخشوع إذ لم يجد الشاعر طريقة يصف بها هذا الموقع غير التسبيح بحمد الله وذكر عجائب مخلوقاته، هذا الاقتباس الأول نصي، أي أخذ النص القرآني كما هو دون تحريف، أما الاقتباس الثاني فهو مضمر ويفيد المضمون دون الحفاظ على ترتيب عناصره اللغوية أو إيرادها كما هي وهو ما نصادفه في البيت الثاني حيث يترجم قوله تعالى:
"إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى"ووظيفته هنا تشبيه جبال الشفا بالصحف التي يمكن أن يقرأ فيها كل متمعن آيات الجمال والجلال:
وأخرجت الأرض أثقالها ...: ... فطار بها العلم --فوق الخيال
توفر للشعب أقداره ...: ... وتكفي الجزائر -- ذل السؤال
أول هذين البيتين هو"وأخرجت الأرض أثقالها"وقد جاء في البيت الشعري مخالفًا لدلالته في السياق القرآني التي تشير إلى هول الساعة حين تزلزل الأرض زلزالها وتخرج الأرض ما بباطنها، فإنها في السياق الشعري تدل على البعث الاقتصادي حيث أخرجت الأرض الجزائرية كنوزها من محروقات ومعادن، والتقابل هنا بين الموقفين جلي، لأن الزلزلة التي أحدثتها إرادة الشعب الجزائري تمثلت في إزاحة أكبر قوة استعمارية وبعث أمجاد عريقة.
والقرينة النصية التي تدل على هذا البعث الاقتصادي والرفاهية هي ما يصرح به الشطر الأخير للبيت الثاني حيث يقول ذلك مباشرة دون استعمال أية حيلة لغوية أو بلاغية عندما يقول:
"ويكفي الجزائر ... ذل السؤال".
ولتصوير عنف هذه الزلزلة استعمل الشاعر تعبيرًا قرآنيًا"كأعجاز نخل"لدلالة على خور عزيمة غلاة المستدمرين الذين تهاوت إرادتهم كأعجاز نخل نخر جذورها الزمن وتوالي الأيام، يقول مفدي:
ورجت حواجزهم بالفلا ...: ... ة، غريق يشد بذيل غريقه
ومن خائرين كأعجاز نخل ...: ... ضمائرهم في المزاد رقيقه
ولتصوير إرادة الشعب الجزائري في زلزلة الكيان الاستدماري فإن الشاعر وظف إحدى المواقف البطولية لأحد رموز المقاومة الشعبية وهو الشيخ الحداد الذي أعلن في السوق عقب صلاة الجمعة حين قال:"سنرمي الفرنسيين إلى البحر"