كما رميت هذه العصا إلى الأرض" (ص 59، هامش الإلياذة) ، يترجم مفدي زكرياء هذه الفكرة شعريًا ويقول:"
وحداد في السوق ألقى عصاه ...: ... وأعلنها في الذرى والبطاح
كمثل عصاي .. ألقي الفرنسيين في البحر، أركلهم بالرماح
التناص في هذين البيتين يأخذ كل أبعاده النظرية والعملية ويأتي البيتان كمفصل شعري يربط بين سياقين: السياق القرآني والسياق التاريخي ووظيفته هنا هي فتح الحوار بين السياقين وإعادة إنتاج نفس الحالة هي حالة التحدي.
ففي السياق الديني نرى أن موسى عليه السلام قد تحدى سحرة قومه بأن ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى، أي التحدي بوسيلة بسيطة وفي السياق التاريخي نجد نفس الموقف (التحدي) والتمثيل بنفس الأداة، وهو تحد للآليات العسكرية المتطورة، ما يجمع أطراف النصين (القرآني والتاريخي) هو التحدي، أي الوضع أو الموقف، بأسلحة غير متكافئة ولكن الإرادة والإيمان بالرسالة التاريخية هو الذي فرض هذا التحدي، والشيء الثاني الذي يجمع هذه الأطراف هو الأداة، أي العصا في الموقفين الديني والتاريخي، إن وظيفة هذين البيتين هي محاورة السياقين وإنتاج سياق شعري جديد يجمع بين السياق الديني والسياق التاريخي ولهذا ضمن الحضارة العربية الإسلامية ويعبران عن الهوية الحضارية للشاعر ولإلياذته.
إلى جانب استعمال مفدي للرموز الثقافية كمولدات للمعنى والاقتباس من القرآن الكريم لربط الجزائر بأصولها العقيدية، فإن الشاعر يستعمل شكلًا آخر من أشكال التناص وهو استعمال بعض الصور أو المواقف الشعرية التي أخذها من شعراء آخرين وهذا لربط نص الإلياذة بمجموع الموروث الشعري العربي وأهم روائعه، ويظهر من خلال قراءة النص ارتباط الشاعر بالنصوص الشعرية القديمة وهي أكثر من أن تحصى.
وبعد أن تعرض الشاعر إلى الآباء والأجداد والأبطال التاريخيين للجزائر مستعملًا أسلوب النشر، فإنه يجمل- باستعمال أسلوب الطي- عندما يطلق صرخة الاعتزاز والافتخار بالانتماء لهؤلاء الأبطال والمؤسسين الحضاريين حيث يقول:
أولئك آباؤنا منذ عيسى ...: ... وكان محمد صهرًا لعيسى
ولم نك ننكر آباءنا ...: ... أكانوا نصارى أم كانوا مجوسا