التكرار للأنا هو بداية الوعي والتخلص من رقابة الآخر - وهذا ما سيتضح جليًا في المقطع السردي الرابع والأخير.
إن الانتقال من المقطع السردي إلى المقطع الغنائي يضمنه مفصل لغوي ضعيف يتمثل في تواجد صيغة المتكلم في المقطعين، وإن كان هذا المقطع أقل تأثيرًا في المتلقي من المقطعين الغنائيين السابقين، لأنه يأتي كتكملة"لعرض الحال"التي رصدناها في المقطع السردي السابق يقول الشاعر:
قد يغضبون فأغضب ...: ... ولقد يكون لهم فرح
وأنا غراب أشيب ...: ... متنسك أهوى القدح
إن شرقوني غربوا ...: ... أو هزؤوني أنشرح
وأصيح اني متعب ...: ... فيقال: يا قبر انفتح
ينبني هذا المقطع الغنائي على مجموعة من الثنائيات: اغضب فرح- غراب /أشيب - شرقوني/ غربوا - كما يمكن ملاحظة عودة الآخر بقوة إلى فضاء القصيدة إذ يسمح للأنا بمشاركة الغضب وعدم مشاركة الفرح"ولقد يكون لهم فرح"وتأتي جملة (وأصيح إني متعب) "لتضيء كل فضاء القصيدة وتعتبر هذه الجملة بؤرة ضوء تضيء كامل المقطع السردي الأخير والذي يليها مباشرة،- واستعمال فعل وأصيح دلالة على بداية التمرد لأن كثرة الضغط تولد الانفجار وهكذا تحول هذه الجملة كامل أجزاء القصيدة التي سبقت إلى استعارة تجعل القارئ بعيد النظر في قراءته الأولى ويعلن عن ميلاد رؤيا جديدة وضوء جديد ينشر تضاريس القصيدة، إن هذه الجملة"وأصيح أني متعب"والتي تعتبر بداية التمرد هي في الواقع جملة مفصلية لأنها تسهل الانتقال إلى المقطع السردي الذي يمكن اعتباره تحقيقًا للرؤيا، ويأتي هذا المقطع في شكل تناظري حيث يتناوب القول مع الفعل ولكنه مع ذلك مفعم بالتفاؤل:"
قول قتلت أغاريدي
وصمت الناس تابوت
وإني غربة أخرى
فعل أقتحم القرى الليلية السكرى
وأحرر طيرها .. غدرانها