إن الشمالية هنا هي التي تحدث الرسوم، وهي اللغة القادمة من الشمال وفي الأغلب فإنها الفرنسية التي تحاول تهميش"الضاد"وإبقاءها مجرّد رسوم خالية من أية روح أو أية دلالة.
وهذه الشمالية هي أيضًا التي بدلت الأهل بالغربان وأقصت أهل الدار. يقول:
سقيا لدار تعفتها شمالية ... وبدل الأهل بالغربان والصرد
في هذا البيت يعمل الآخر على نفي الأنا/ الأهل من الدار.
إن الرسم هو رمز الأرض الخراب ورمز اليأس، إنه شبح الموت والفناء الذي يتهدد الإنسان، كما أنه شاهد على من مرّ وعبر وبالتالي فإنه صار عبرة يقول الشاعر:
رسوم وشوم .. وأرض خلاء ... ظباء .. غراب يغنّي غرابا
ويقول أيضًا:
وأصبح ظلًا نحيلًا، ورسمًا ... محيلًا وأرضًا مواتًا ... خرابا
من خلال هذين البيتين يمكن أن نستخرج ملاحظتين على الأقل: الأولى هي ارتباط معنى الرسم بالوسم كما حاولنا أن نوضح ذلك من قبل، ثم ارتباط هذا الرمز / الرسم بخاصية الموت والفناء: أرض خلاء، خراب يغني غراب، أرض موات، ومن هنا نستنتج أن استعمال الشاعر لهذا الرمز /العلامة في قصيدته"روحي تريد الشراب"استعمال تقليدي، كما أن استعماله لكلمة الدّمن كعنوان لقصيدة (حديث على الدمن) له دلالته الخاصة في هذا السياق، ولكن الشاعر لا يستعمل هذا الرّمز استعمالًا تقليديًا دائمًا، إذ نجده في بعض الأحيان يربطه بدلالات جمالية وشعرية يقول الشاعر:
أدني السحابة من رسم وأحلبها ... وأجرح البرق في الشريان بالفصد
فالشاعر في هذا البيت يطمح إلى جلب السحابة إليه (والسحابة هي رمز للعطاء والنماء) ويحلبها، ويجرح البرق بالفصد، والجرح والفصد في هذا السياق يقتربان إن رمز"ميّة"يتردد في الديوان أكثر من عشر مرات في"وشم على زند قرشي"ولكن تعامل الشاعر"عيسى لحيلح"مع هذا الرمز، في أكثر من سياق يظهر لنا تعامله التقليدي معه. ومعلوم أن"ميّة"هي حبيبة الشاعر العربي النابغة الذبياني الذي يعتبر من أكبر الشعراء العرب. ويبدو التعامل التقليدي مع هذا