عيناك .. إنهما .. عيناك إنهما ... عيناك .. عيناك .. لا .. لا .. لن أقولهما!!
وتأتي صيغة النفي ثلاث مرات محاولة الاحتفاظ بسر لم يبح به الشاعر حول عيون"ميّة"لأنه يرى أن كثرة المدح تنقلب إلى هجاء، كما قال في نفس القصيدة:"إن قلت مدحا، أراني قد هجوتهما"واستعمال الشاعر لكلمتي مدح وهجاء له دلالته الاستثنائية في هذا السياق.
وفي قصيدة"مكة الثوار بلدي"يتردد اسم"ميّة أكثر من خمس مرات ليؤكد الشاعر من خلاله انتمائه إلى مكة وذلك منذ البيت الأول الذي جاء في شكل مساءلة للأطلال ممزوجة بالدّمع وهو في نفس الوقت محاولة لمعارضة مطلع قصيدة النابغة الذبياني، يقول عيسى لحيلح:"
يا دار"ميّة"جادت بالدموع يدي ... ردّي سؤالي هل في الدار من أحد
ويقول النابغة الذبياني في مطلع قصيدته:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند ... أقورَتْ وطال عليها سالف الأمد
وقفتُ فيها أصيلانا أسائلها ... أعيْت جوابا وما في الربع من أحد
إن معارضة النابغة هنا تبدو واضحة. فالنداء الذي افتتحت به القصيدتان واحد في صيغته ومعناه:"يا دار ميّة"، ونجد أن الشاعران كليهما وقفا يسائلان الدار /الربع."وقفت أسائلها ويلحّ عيسى لحيلح في انتزاع الجواب من الدار"ردّي سؤالي"في حين أن النابغة اكتفى بالمساءلة له فقط، والطلب أو الالتماس أليق للشعر وله قدرة على الانسياب إلى ذات المخاطب من الإلحاح الذي قد يتحوّل إلى شيء ممجوج. ويكرر الشاعر لحيلح سؤاله بصيغة صريحة"هل في الدار من أحد؟"في حين أن النابغة استنتج من صمت الأطلال خلوّ الدار من ساكنيها (أي ميّة) "أعيت جوابا وما في الربع من أحد". وفي هذه العجالة لا ينبغي المقارنة بين شاعر كانت تنصب له قبة ويحكم فيها على فحول الشعراء وبين شاعر ما زالت تجربته الشعرية في طور التكوين وما زال كونه الشعري لم تتحدد قسماته بعد. ولكن هذه المقارنة البسيطة دفعتنا إليها ملاحظتنا لتعامل الشاعر مع رمز"ميّة"كرمز جاهز. وكملاحظة على الشطر الأول من مطلع قصيدة"مكة الثوار بلدي"نتساءل عن علاقة الدّموع باليد "جادت بالدموع يدي"هل هو مجرد الجري وراء القافية الداخلية أي الترصيع أم غير ذلك لأن أي تخريج لتقريب الدموع من اليد يفشل في إعطاء تأويل."