القصيدتان اللتان ظهرت فيهما ظاهرة اللحظة الطللية هما:"نداء إلى أبي الطيب المتنبي""ومكة الثوار بلدي". فالعنوانان لهما دلالة كبيرة لأن أبا الطيب المتنبي هو شاعر العروبة في زمن الانكسار وتعاظم المدّ الشعوبي، ومكة هي المكان المقدس الذي احتضن الرسالة الإسلامية، كما أن المطلعين أخذهما الشاعر عن امرئ القيس وهو شاعر مشهود له بالشاعرية وطول الباع وكذا النابغة الذبياني وهو حكم الشعراء، ومن خلال هذه الرموز الأربعة: أبو الطيب المتنبي -مكّة- امرؤ القيس- النابغة - والتي يوظفها الشاعر بوعي فإنه يعلن بذلك عن اعتزازه بالانتماء إلى هذه الرموز ويعيد إنتاجها بوصفها جزءًا من الهوية التي لا يمكن تبديلها بنموذج آخر خاصة إذا كان يتعارض وهويته الحضارية والثقافية.
إن إعجاب عيسى لحيلح بالشاعر امرئ القيس يتجلى أيضًا في البيت الذي يقول فيه:
سنون تفرّ .. وأخرى تكرّ ... وتفتح بابا لتغلق بابا
ومن خلال هذا التضمين يحاول الشاعر أن يصف حركة السنين في إقبالها وإدبارها محاكيًا في ذلك حركة حصان امرئ القيس الذي يقول عنه:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل
فإذا كان بيت امرئ القيس يدلّ على سرعة الفرس، فإن بيت الشاعر عيسى لحيلح لا يريد أن يقول بتوالي السنوات بسرعة البرق بقدر ما يريد أن يؤكد على تراوح السنين بين الخير والشر وبين الإقبال والإدبار. وهذا الارتباط بمرجعية ثقافية وشعرية محدّدة جعل الشاعر يمارس وظيفته الشعرية من خلال قصائده.
حيث يتجاوز الخطاب الشعري المؤسس على رؤية جمالية إلى خطاب تحريضي مباشر. ووظيفية الشعر جعلتنا نستنتج أن الشاعر كان يفكّر في الجمهور الذي يستمع إليه وكذا نوعيته، وبالتالي فإن الشاعر أعدّ قصائده للإلقاء لأنها تعتمد على التحريض، أكثر من كتابتها للقراءة التي تتطلب قارئًا نوعيا الذي لا يقبل التحريك المباشر بل يحبذ الصور الشعرية الجميلة التي تحرك وجدانه وتشكل وعيه تدريجيًا بدل دفعه إلى أي مجال دفعا.
يتمثل هذا في قول الشاعر:
أفيقوا .. فما تجدي لحانا إن أصبحت ... حبالا أو كان القلب أمرد أصغرا