فالتعارض هنا بارز بين كرام /لئام وبين شحا/ سمحا ولكن هذا التعارض لا يتعدى تقرير الموجود ولا يضيف جديدًا إلى الكشف عن الآليات الخفية المضمرة أو البارزة، التي تتحكم في هذا الواقع وتعمل على إزالة الوضع المقلوب وهي نفس الإدانة التي نجدها في قصيدة"نداء إلى أبي الطيب المتنبي"التي يقرر فيها هذا الوضع المقلوب بقوله:"أبا الطيب .. الأقزام فينا تعملقوا"، أو عندما يقول في نفس القصيدة"يذل كراما أو يعزّ جواريا"، كما أن تقنية التوازي هذه عند الشاعر لا تتعدّى في بعض الأحيان تقرير حقيقة تدخل في باب البداهات كما في قصيدة"مجنونة الحيّ"إذ يقول:"فالبين يقتله والقرب يحييه"وهي مسلّمة لأن البعد يؤلم بينما القرب يشفي والإثارة والغرابة تكون لطيفة عندما يصير القرب يؤرق والبعد يشفي مثلما حدث عند بعض المتصوفة الذي ذهب للنوم عندما زارته حبيبته لأنه فضل أن يحلم بها على أن يراها حسيّا وبعين البصر.
وفي سياق التعبير بالتوازي ومحاولة الكشف عن تناقضات الواقع يصف الشاعر حالة مجنونة الحيّ"تبكي وتضحك"وهذه حقيقة بالنسبة لمن فقد التحكم في أعصابه وفقد توازن الانتقال من حال عاطفية إلى أخر، إذ أن الانتقال من الضحك إلى البكاء لا تتحكم فيه قوى العقل أو الشعور بل تتحكم فيه آليات لا يمكن الحديث عنها بمنطق العقلاء.
وحالة السكر يمكن اعتبارها درجة من درجات الجنون، لأن فقدان العقل والتحكم في اللغة والحركة يكاد يكون منعدما أو على الأصح لا يندرج في نظام العقلاء المقنّن والذي تضبطه ضوابط محدّدة، ويصف الشاعر سكيرا يترنّح بقوله:
"سكير تبعده خمر وتدنيه"وإذا ما حاولنا مقارنة هذه الصورة بما قاله الأعشى:
"شاو، مشلّ، شلول، شول"فإننا نلاحظ أن سكير الأعشى أكثر حيوية، وأن الكلمات- التي لا معنى لها في العربية- تغنى بأصواتها التي تحاول محاكاة الحالة التي عليها السكير أكثر من تقرير الشاعر عيسى لحيلح الذي يعتمد على الطباق: تبعده /تدنيه.
ولكن هذه التقنية (تقنية التعبير بالتوازي) تفلت في بعض الأحيان من مفهوم الطباق محاولة إعطاء بعض العمق للصورة الشعرية مثلما تصادفه في قصيدة"نداء إلى أبي الطيب المتنبي"حيث يقول الشاعر:"أبا الطيب .. الأيام حبلى بعقمها"إذ ن اجتماع حبلى /عقم يفيد الامتلاء، أي أن الأيام مليئة حتى الثمالة