الرمز اللغوي كما هو معروف"يشغل مكان الشيء ذاته، الشيء يُساوي المعنى والمرجع على حد سواء ... الرمز يمثل الحاضر أثناء غيابه وينوب عنه" (11) وإذا أردنا بحث القضية في إطار اللغة-كما أسلفنا- فإنّنا نرى أن"علاقات الحضور في الأدب تقابل العلاقات السياقية في علم اللغة كما أن علاقات الغياب تقابل العلاقات الخلافية أو الاسْتبدالية" (12)
وهذه الملاحظة نجدها عند غريماس في قاموسه ص 291، كما نجدها أيضًا عند تودوروف الذي يقول:"في اللسانيات نتكلم عن علاقات استتباعية (بالحضور) وعلاقات استبدالية (بالغياب) ، وبصفة عامة عن جانب تركيبي وعن جانب دلالي للغة" (13) .
ومن هنا يمكن أن نقول إن:
العلاقات الاستبدالية هي علاقات الغياب وهي الجانب الدلالي في اللغة وإن العلاقات الاستتباعية هي علاقات الحضور وتمثل الجانب التركيبي في اللغة، ومن هاتين المعادلتين نلاحظ أن استعمالنا لمصطلح بعينه يحدد حقل نشاطنا فنحن نتكلم عن حضور وغياب عندما ننزل القضية في مدار الفلسفة والتأمل وتستعمل العلاقات الاستبدالية Paradigmatiques والعلاقات الاستتباعية Syntagmatiques عندما ننشط في حقل اللسانيات، ونتكلم بمصطلح التركيب والمعنى عندما نبحث في نظرية المعنى: وهذا دليل على أن مصطلحي الحضور والغياب هما جسر بين الفلسفة واللغة، أو فلسفة اللغة ولم لا؟.
وإذا أردنا أن ننقل هذين المصطلحين إلى مجال الشعر فإننا نلاحظ أنهما يتحكمان في فهمنا للشعر وفي إنتاجنا للشعر، وكيف لا والشعر قوامه الكلمات وعند استعمالنا لهذين المصطلحين، يلاحظ صلاح فضل أن التحليل الأدبي تعترضه ثلاثة قطاعات من المشاكل:"فأولها يتصل بالمظهر اللغوي للنص والثاني بالجانب النحوي-بالمعنى الشامل لهذه الكلمة الذي يتضمن علاقات الحضور- والثالث بالجانب الدلالي الذي يمسّ بطبيعة الحال علاقات"
الغياب" (14) "
وإذا ما رجعنا إلى هذه القطاعات الثلاث من المشاكل فإننا نرى أن أولها الذي هو المظهر اللغوي"هو في حقيقة الأمر عَلاقات الحضور (الجانب التركبي) وأن الثالث، كما لاحظ صلاح فضل، هو الجانب الدلالي (علاقات الغياب) ولهذا نتعجب كيف يفصل صلاح فضل بين المشكل الأول والثاني لأنهما في الواقع يمثلان بعدًا واحدًا. وفي الوقت الذي تريد فيه الدراسات الأدبية البنائية"