ووعورة الدرب.
تبدأ البنية المكانية المفتوحة المعبرة عن انتصار الشاعر زمن الأطلال (البنية المكانية المغلقة) وخروجه من متاهة الصحراء. يقول جرير:
14 -سلمتَ وجاءتكَ الغيوث الزوابع ... فانكَ وادٍ للأحبة جامع
فلم أر يا ابن القَرْم كاليوم منْظرًا ... تَجاوزَه ذو حاجة وهو طائع
أتَنْسَيْنَ ما نَسْري لحب لقائكم ... وتهجرينا والبيدُ غُيْرٌ خَواشِع
ووصول الشاعر إلى الحبيبة يعني انتصاره على (البيد الغُبر الخواشع) وهذا يبرز حقيقتين، الحقيقة الأولى هي شجاعته وعدم خوفه من مخاطر الصحراء وعلمه بكل مسالكها ومتاهاتها، والحقيقة الثانية هي حبّه لليلى وتحمله في سبيلها الصعاب، وعندما تتأكد له هاتان الحقيقتان فإن ذلك يمدّه بكل أسباب الانتصار على الخصم.
وهنا بعد أن عرض نفسه كبطل لا يخاف الصحراء وكمتمرس بركوب الإبل يعلن صراحة عن هذه الشجاعة التي كانت كامنة خلال الأبيات السابقة، من هذه الزّاوية تختلف رحلته عن الرّحلة في القصيدة الجاهلية (راجع وهب رومية) وتبدو الأطلال كحقائق مقنعة (ذكر الشجاعة عن طريق استحضار لوازمها) لتتفجر في البيت 17 - ويمكن أن نقول عن الأبيات السابقة إنها نشر (بالمفهوم البلاغي) والبيت 17 إنه طيّ (بالمفهوم البلاغي أيضًا) ، يقول جرير:
17 -بني القيْن لا قيْتُم شجاعا بهضْبة ... ربيبَ حبال تتقيه الاشاجع
18 -فانكَ قيْن وابن قيْنيْن فاصطبر ... لذلك اذ سدتْ عليكَ المطالع
وهنا لا يعرض فقط على خصمه بل يباشره بالحديث والهجاء، فبعد أن صور نفسه بأنه ربيب حبال تتقيه الأشاجع (جمع شجاع) فإنه قد تمكن من احتلال موقف القوة.
وأول عنصر من تجليات الهجاء والتعريض بالخصم نلاحظه في استعمال الشاعر بنى القين. وهذا لقب عرف به الفرزدق وذلك لأنه كما زعم يعود إلى أنه كان ابن عبْد ويتضح ذلك في البيت الذي يليه (بيت 18) عندما يقول فإنك قيْن وابن قيْنيْن، أي عبد ابن عبْديْن. ونلاحظ المواجهة المباشرة عند استعماله لضمير المخاطَب. ويستعمل، بعد ذلك، جرير أسلوب السخرية عندما يقول"فاصطبر"