لذلك إذ سدّت عليك المطالع"وذلك ليعزيه عن أصله الوضيع. وفي استعماله لفعل"اصطبر"فإنه يريد أن يسرّب إلى نفس خصمه الاستسلام واليأس. وبعد أن يقذف اليأس والاستسلام في نفس خصمه يحاول جرير أخذ الموقع الأعلى وذلك بافتخاره بشجاعته (بيت 19) ويجهره بشعره (بيت 20) وذيوعه بين الناس ثم يقارن بين سرعة إبله وهي تقطع الصحراء وسرعة انتشار قوافيه (بيتان 21 - 22) . يقول جرير:"
19 -ولما رأيتُ الناس هرّت كلابهم ... تشيعتُ إذْ لم يَحْمِ إلا المشايعُ
20 -وجهَّزْتُ في الآفاق كلَّ قصيدةٍ ... شَرودٍ وَرُودٍ كلَّ ركْب تُنازِع
21 -يجُزْنَ الى نجْران من كان دُونَه ... ويَظهَرْن في نجْدٍ وهنَّ صَوادِع
22 -تعرض أمثَال القوافي كأنها ... نَجائب تعلو مِرْبَدا فتطالع
ولكي يفتخر بنفسه ويوقع الإرباك في نفس خصمه، فإنه لم يصرّح بذلك كأن يقول مثلا أنا شجاع أو بطل، أو انا شاعر مغلَّق، بل وصف نفسه"بالمشايع"والمشايع هو الجريء المقدام، وانتشار قصائده بشرود البعير الذي لا يردّه إلا الورود أي أماكن الماء (كل قصيدة شرود ورود) . وهكذا يعطى جرير لنفسه صفتين كفيلتين بإفحام الخصم والقضاء عليه، فأولاهما هي شجاعته وإقدامه وثانيتهما هي شاعريته وانتشار شعره في كل الأرجاء من البلاد العربية.
وبعد أن يلقي الخوف والذعر في نفس خصمه فإنه يبدأ بالتهديد والتلويح بالشر حيث يقول:
23 -أجئتم تَبَغَّوْن العُوام فعندنا ... عُرام لمن يبغى العَرامَة واسع
ونلاحظ هنا انتقال الشاعر من مخاطبة خصمه بصفة المتكلم/ أنا إلى صيغة المتكلم الجمع نحن. ونجد أن المخاطب أيضًا قد تحول من مفرد أنت (انك، اصطبر، عليك) إلى مخاطب جمع. وهذا طبعا يدخل في اخلاقيات المبارزة وهو ما يسمى بتكافؤ القوى.
وتلويحه بالشر واصراره على ذلك يتأكد من استعماله للفظة عرام مرتين والعرامة مرة واحدة وذلك في بيت واحد ومعنى الكلمات الثلاث الشر.
يبدأ الشاعر بعد ذلك الافتخار بقبيلته (بني يربوع) والقبائل المساندة لها (قبيلة بني سعد) ومن خلال مدحه لقبيلة بني سعد نلاحظ أن لهذه القبيلة نفوذًا