أقوى وجاه أوسع من بني يربوع، وإذا كانت قبيلة بني يربوع تمتلك الشجاعة والإقدام، فإن بني سعد يملكون العزة والجاه. وهذا يؤكد ما ذهب إليه الباحثون من دقة أصل جرير وعدم تملكه للجاه أو العزّ، ويبدو أثر ذلك في قوله:
24 -تَشَمَّسُ يربوع ورائي بالقنا ... وعادَتُنا الإقدام يومَ نُقَارع
25 -لنا جبل صعب عليه مهابةٌ ... منيع الذّرى في الخِند فِيّيْن فارع
26 -وفي الحي يربوع إذا ما تشمَّسوا ... وفي الهِند وأنيّات للضيم مانع
27 -لنا في بني سعْد جِبالٌ حصينةٌ ... ومُنْتَفَدٌ في ساحة العزّ واسع
28 -وَتبْذَخ من سعد قُروم بِمَفْزَع ... بهم عند أبواب المُلوك نُدافع
29 -لِسعْد ذُرى عادية يُهْتَدى بها ... ودرْءٌ على من يبتغى الدرء ضالِع
وهكذا يتأكد لنا أن جرير يحاول استجماع قوته من قبيلتين، الشجاعة من قبيلته بني يربوع (القناع- الاقدام- جبل صعب- دفع الضيم ... ) والعزّ والمجد يستمده من بني سعد (جبال حصينة- عزّ واسع، البذخ- الدفاع عند أبواب الملوك، نصرة بني سعد) . وهذه الأدلة تكشف أن قبيلة الشاعر (بني يربوع) قبيلة شجاعة ولكنها فقيرة وليس لها جاه مما جعلها تنحاز إلى قبيلة بني سعد وذلك للاستفادة من عزها وجاهها واستكمال نقصها.
وبعد إشادته بعزِ بني سعْد فإن ذلك يخوّل له الانتقال إلى القطب المقابل وهو العبودية والرّق وذلك عند تعريضه بالبعيث- لأنه ابن أمة- وفي نفس البيت يعرّض بالفرزدق ويرميه بإحدى صفات العبيد وهي العزف والنفخ في الكير، ابن ذي الكيرين، الذي يصفه بالخزي والضياع، فالصفة الأولى تدل على دنو المكانة الاجتماعية والثانية على التشرد. ومعنى هذا البيت الذي جمع فيه الفرزدق والبعيث، لأنهما يلتقيان في أصل واحد وهو طبقة العبيد، يقول جرير:
30 -وإنّ حمىً لم يحْمِ غيرُ فَرْتَنا ... وغيرُ ابنِ ذي الكيرين خَزْيان ضائع
يقول أبو عبيدة والفرتنا اسم تسمَّى به الإماء. وهذا التلميح الذي يشبه وخز الابر، أشد تأثيرًا على النفس- نفس الخصم- من الهجاء المباشر، خاصة وأنه يرمي البعيث والفرزدق بالتخاذل والجبن.
ويهجو الفرزدق ويرميه بقصور شاعريته لذلك لم يستطع الوصول إلى المجد، وبعد ذلك يتهكم جرير بغريمه ويصفه بالقرد، وهذه الصورة معروفة عند