جرير لأن الفرزدق كما حدثت كتب تاريخ الأدب كان دميم الخلقة وفي البيت (34) يرتفع جرير بتهكمه إلى مستوى مباشر حين يخاطب الفرزدق بأنه ابن قين وأن أداته المفضلة هي"الكير"الذي ينفخ فيه حتى يتقرب من الأمراء وينال عندهم حظوة ويسليهم ويرفه عنهم. يقول جرير:
31 -رأتْ مالِكٌ نَبْلَ الفرزدق قَصَّرَتْ ... عن المجْد اذ لاَ يَأْتَلي الغَلْوَ نَازِع
32 -تَعَرَّض حتى أُثْبِتَتْ بين خَطْمِه ... وبيْن مخَطِّ الحاجبين القوارع
33 -أرى الشَّيْب في وجه الفرزدق قَدْ عَلا ... لَهَا زِمَ قِرْدٍ رَنَّحته الصواقع
34 -وأنْت ابن قيْن يا فرزدق فازْدَهِر ... بِكيِرِكَ إن الكير للقَيْن نافِع
والملاحظ أن جرير كان يتكلم عن غريمه كشيء بعيد وذلك باستعماله صيغة الغائب، ولكنه في البيت (34) يتوجه مباشرة إلى خصمه باستعماله صيغة المخاطب وذلك لاستثارته، ولكن هذا التهكم يبلغ درجة من الحدة عندما يقارن جرير عدته (القنا) بعدة خصمه (الكير) ، يقول جرير:
35 -فإنّك إنْ تَنَفُع بِكِيرِكَ تَلْقَنَا ... نُعِدُّ القَنا والخيْل يوم نُقارِع
والملاحظ أنه قدم العدة الأولى للخصم التي هي الكير (او آلة العزف) وذلك إمعانا في التهكم به، يقابلها بالقنا والخيل التي هي عدة الشاعر (جرير) يوم النزال ويسحب هذه الصفات على ابن فرتنا (ابن الامة والعبد) الذي هو البعيث إذ يقول:
36 -إذا مُدّ غَلْوَ الجَرْي طاحَ ابن فَرْتَنَا ... وجدَّ التَجَاري فالفرزدق طالِع
وفي مقابل الصورة الاستلامية وخضوع الفرزدق والبعيث يعطي صورة عن شجاعة بني سعد ولا ينتظرون على ذلك أي مديح.
37 -وأما بنو سعْد فلو قُلْتَ انْصِتُوا ... لِتُنْشِدَ فِيهم حزَّ أنْفَكَ جَادِع
بعد ذلك يبدأ في هجاء الفرزدق محاولًا حشد كل الأدلة وذلك لتأكيد هذه الصفات لدى خصمه، ويصفه بأنه مدَّاح ذليل لجأ إلى الحجاج (من قبيلة قيس) لاستجداء الرّزق والغنى وأنه لا يملك هو وجدّه، صعصعة الا الكير وبعد ذلك يصف نساء مجاشع (ليلى، قُعْيرة، أم البعيث ... ) وبالتالي يهجو كل مجاشع:
38 -رأيتُكَ إذْ لم يُغْنِك اللهُ بِالْغِنَى ... لَجَأْتَ إلى قيْس وخدُّك ضَارع
39 -وما ذاك أن أَعْطى الفرزدق باسْتِهِ ... بأوَّلِ ثَغْرٍ ضيَّعَتْهُ مُجَاشِع