حضاري وثقافي محدّد وإلى نصّ مخصوص وكذا بالنسبة"للبيان والتبيين"أو"البردة"أو"رسالة الغفران". ونادرًا ما نجد العناوين تتكرّر.
أمّا من الناحية المضمونية فإننا لا يمكن أن نهجم على النص دون أن نحدّد بوضوح مفاصله ونعزل ثيماته عن بعضها البعض ولكن هذا العمل لا يعتبر بداية، لأن البداية هي التقسيم وتحديد المفاصل. من أين نبدأ؟.
إن مرور النقاد والمحللّين على هذا السؤال وكأنّه مسلمة يعني تهربهم من طرحه أو الإجابة عنه. إنّه السؤال الذي طرحه بارت منذ عشرين سنة في العدد الأوّل من جملة"البوبطيقا"Poetique في سنة 1970 والذي يعكس حيرة المحلّل وقلقه في مواجهة نصّ أدبي معين، وتأخرت ترجمة هذا النص إلى اللغة العربية بعشرين سنة (عيون المقالات- عدد 12/ 1989 ترجمة محمد البكري) [1] . والملاحظ أن رولان بارت من خلال طرحه لهذا السؤال قد حقق هدفين على الأقلّ:
الأول هو الجرأة على كشف"النفاق"المنهجي الذي يبدأ التحليل دون التعليل لاختياره لهذه البداية دون غيرها من البدايات الممكنة.
والثاني هو التأكيد أن كل المداخل صالحة لمقاربة النصّ الأدبي شريطة اتساق النتائج مع المقدمات النظرية للمنهج المتبع. وهذا راجع إلى عدم وجود"وصفة"صالحة للتطبيق على أي نصّ.
إن حديثنا عن اتساق النتائج مع المقدمات المنهجية يقودنا إلى التعرف على المنهج المتبع، لأن البداية تعكس وجهًا من وجوه المنهج. ولكننا لحدّ الآن مازلنا نتهرب من الحسم في هذه القضية.
من أين نبدأ؟.
كان من المفروض أن يطرح هذا السؤال منذ أرسطو عندما تحدث عن النص الأدبي الذي شبهه"بالحيوان الجميل"الذي يتكوّن من بداية ووسط ونهاية (1450 ب) ، والذي يعرف البداية في مقالة"كتاب الدّال لأرسطو"بقوله:"فإن نقطة بداية معرفة الشيء تسمّى أيضًا مبدأ هذا الشيء: فالمقدمات هي مبادئ البراهين، كما أن العلل تؤخذ في نفس معاني المبادئ، لأن كل العللّ هي مبادئ، فالخاصية المشتركة بين كل المبادئ هي إذن أنها الأصل الذي ينبع منه الوجود أو الكون أو المعرفة" (ص 16) و هكذا يبدو أن البداية هي المنبع وأصل الدّلالة،
(1) هذا البحث ألقي في شكل محاضرة على طلبة الماجستير في فيفري 1991.