فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 233

أمّا النصوص الأدبية الحديثة البالغة التعقيد فإنها تمنح للقارئ أكثر من بداية وذلك حسب موقعه ومنهجه في القراءة وخلفياته المعرفية والثقافية.

وقد استخرج جيرار جينيت سبع بدايات ممكنة لرواية"البحث عن الزّمن الضائع"لمارسيل بروست:"البداية الأولى هي بداية النص والثانية تأتي بعدها بست صفحات والثالثة بعد أربع وثلاثين صفحة والرّابعة خمس صفحات بعدها والخامسة مائة وأربعون صفحة بعد ذلك والسادسة 195 صفحة من بعدها والبداية السابعة عندما يتحدث عن المناظر الطبعية"لبلباك"التي كان يحلم بها وبعد ذلك تبدأ الحركة التي لن تتوقف" (ص 88) .

من خلال هذه الملاحظات التي قدمها جيرار جنيت نتأكد أن البدايات تختلف باختلاف النصوص أي أن لكل نص بدايته الخاصة التي تميزه عن النصوص الأخرى، عدا البداية الشكلية لنص محدّد مثل الكلمة الأولى أو الجملة الأولى أو الفقرة الأولى أو الحدث الأول ...

ونلاحظ أن البلاغة العربية كجهاز مفهومي اهتمت كثيرًا بعنصر البداية باعتبارها عنصرًا مهمًا سواء من زاوية إنتاج النص أو من زاوية تلقّيه.

ويقرّ البلاغيون أن أوّل ما يقرع السمع هو البداية فإذا كانت حسنة السبك صحيحة المعنى واضحة العبارة فيقبل السامع على الكلام فيعي جميعه وإلا أعرض عنه ولو جاء ما بعده في غاية الحسن كما يقول النقتازاني (ص 146) ، والبدايات المحببة التي يقترحها البلغاء مثل ذكر المجيب وذكر المنازل ثم التمهيد لما سيق له الكلام أي أن تفتح البداية أفق انتظار كما تقول نظريات الاستقبال الحديثة ويعني ذلك تحضير المتلقي لما سيأتي. ولكن الملاحظ أن البلاغة العربية التقليدية ركزّت على زاوية التلقي أكثر مما ركزت على زاوية بناء النص الأدبي وبالتالي فإنها لم تقدم لنا مفتاح التعامل مبدئيًا مع النص الأدبي.

ويمثل مصطلح"حسن التخلص"أداة إجرائية مهمة لأنه يمكننا من تحديد مفاصل النص الأدبي والتعرف على مختلف مستوياته من خلال القرائن اللغوية أو المعنونة التي يقترحها النّص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت