موجود، أي اللغة والتراكيب، أي البحث في جدلية الخفاء والتجلّي" [1] على اعتبار أن النص هو مجموعة من التجلّيات اللغوية (أو السمات كما يقول الجرجاني) [2] لمعانٍ خفية لا يتدبّر أمرها إلاّ من أدرك أن للكلمات وظائف وليست مجموعة من الإشارات الفارغة."
4 -طبيعة العمل الأدبي ذاتها تفرض في بعض الأحيان تقطيعًا معينًا، ذلك أن القصيدة نفسها لكونها مبنية على طبقات، فإن هذه الطبقات تفرض حدودها الخاصة ولا يستطيع الناقد أن يفترض لها تقسيمًا مخالفًا إلاّ إذا أعادَ ترتيب موادها اللغوية ومضامينها وبالتالي خلقها من جديد قصد تطويعها لمنهجية خاصة.
إن البوابات التي ندخل منها إلى عالم القصيدة تختلف حتمًا باختلاف ثقافة كل قارئ وحسب ميوله ومزاجه. من المؤكد أن أول بوابة وأضمنها للوصول هي اللغة لأنها الحوامل التي يعبّر عنها الفكر أو الرسالة المراد تمريرها، والقصيدة بصفتها بناء لغويًا مرتبًا بكيفية خاصة، فإنه من العبث إغفال مواد البناء هذه واعتبارها كائنات لا شأن لها في توصيل معنى معين، بل هي مجموع الوظائف والمعاني التي تبنى عليها القصيدة.
وبوابة اللغة هي المدخل الأساسي للدخول إلى عالم القصيدة لكن هذا لا يحجب عنا النظر لنقول إن هناك طرائق أخرى للولوج إلى عالم القصيدة، وأزعم أن اللغة الأدبية بصفتها تحمل شحنة معينة، فإنها تدلَّنا منذ البدء على شكل هذا العالم.
إن تعامل الكاتب أو الشاعر مع مستوى معيَّن من اللغة يسهِّل على الناقد والقارئ تناول مستوى معيَّن من القراءة، هل اللغة التي استعملها الأديب نفسية تدل على توترات واهتزازات أم هي لغة اجتماعية تتعامل مع شريحة اجتماعية معينة أم لغة واقعية، أي تبث أفكارها بلغة الواقع دون تحريف أو تزييف؟؟.
ومن هنا تصبح اللغة كبوابة أولية مسلكًا يدلّنا على الظواهر اللغوية التي تخصّ عالمًا خاصًا قائمًا بذاته، وإذا رجعنا إلى المعطيات الحديثة لنظرية الأدب نلاحظ أنها في تعريفها النص الأدبي (شعره ونثره) تجعل من انبنائه على طبقات حجر الزاوية في تفكيرها فإننا نقول إن أي نص أدبي يحتمل قراءات عديدة
(1) كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلّي. دراسات بنيوية في الشعر- دار العلم للملايين- بيروت 1979.
(2) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة. ص 325 - طبعة بيروت.