تختلف باختلاف اعتبار المرثي: ذاتًا أو موضوعًا، فتصوير الذات (الضحية في قصيدتنا ـ موضوع الدراسة) مولِّد للرثاءِ، أي استدرار عواطف = الرحمة والشفقة = أما التركيز على تصوير القتلة (وهو ما لا نجده في القصيدة المدروسة) ، فإنه مولِّد للثورة.
وانطلاقًا من هذه المقدمات النظرية فإن الخط الذي اتخذته القصيدة يوجهها باتجاه غنائي، على الطريقة الكلاسيكية، وهو التركيز على وصف مناقب المرثي/ الفقيد وذلك بغية ابتزاز حزن المتلقي وامتصاص تمزقات من بقي بعد الميت ...
لو نشرت دالية البيت ضفائرها
لعرفنا سر الأغصان
لو صاح الديك على هذي الكرة الأرضية
لعرفنا سر الصوت
لو أن الفجر تأخر ثانية عن موعده
لنجونا
لكن الموت
أول ما يلاحظ على هذه الحركة أنها مكونة من مجموعة من الجمل الشرطية التي تتعدى عمل الشرط، أي اقتران حدوث فعلين يكون الأول سببًا في حدوث الثاني، كما هو معروف في عرف المناطقة، تتعدى هذه الجمل الشرطية وظيفتها لتكتسب وظيفة جديدة هي التمنّي، والتمني هو في الواقع، يقع خارج حدود الإمكان، أي عدم تجسدها في الواقع وتبقى هذه الأماني حبيسة خيال الشاعر، فالجملة الشرطية الأولى:
لو نشرت دالية البيت ضفائرها
هذه الجملة، فعل الشرط، ابتدأت بـ (لو) ، وهذا ما يجعلنا من البداية ندخل إلى فضاء عائلي،"دالية البيت"، ويصير الفضاء هنا مكان دفء وحنان، أما لجواب الشرط الذي هو"لعرفنا سرّ الأغصان"فإنه يأتي ليجعل"الجملة الشرطية"بكاملها تقع خارج حدود الواقع، وتصبح الدالية المتجذّرة في البيت رمزًا لتجذر الإنسان في بيته وتصير الأغصان هي الامتداد الطبيعي لهذه"الجذور"ولكن الدالية لم تنثر ضفائرها، وبذلك تصبح الأغصان ـ زينب ـ هنا أيضًا هي غصن بالنسبة للبنان، وبذلك فإن هذا الغصن المقطوع من هذه الدالية يفقد كل انتماء ويصير رقمًا مجهولًا.