فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 233

زينب ـ طفلة لبنانية بريئة ـ فإن الشاعر يبدأ بمناداتها زينب (أداة النداء محذوفة كما هو الحال في الحركة الأولى) ، ويتخذ من عالم الطفولة طريقة إلى التأثير على المتلقي وبالتالي تمرير أيديولوجيته وفكره، إنه تعمّق في عالم الطفولة وتركيز على تصوير الضحية.

وقد استعمل الشاعر طريقة خاصة في إعادة تركيب عالم الطفولة عندما أخذ يحصي العناصر التي تثير الطفولة أو التي تجعل منها مركز اهتمام مثل الدوري والطين الذي يشكّل به الأطفال لُعبًا تعبّر عن أحلامهم ومثالات خيالهم والماء، واللعب الذي هو من أخص خصوصيات الطفولة، والخبز (نلاحظ هنا استعمال الشاعر للخبز بدل قطعة حلوى أو شوكولاطة وهذا يعبر عن الطبقة الاجتماعية التي يدافع عنها الشاعر وهي الطبقة الفقيرة) . الغابات أيضًا هي مصدر من مصادر إثارة البهجة لدى الصغار. لكننا نلاحظ أنه أقحم كلمة ـ القهر ـ بين مجموع العناصر التي تدخل في تشكيل عالم الطفولة ـ وهذا الإقحام له دلالة لأنه يريد أن يعبر عن القهر والقمع المسلطين على عالم الطفولة ـ وعن طريق تركيب هذا العالم فإنه يندد بالقهر الذي لحق الطفولة ودنّس عالمها، وبهذه الوسيلة فإن الشاعر يحقق غرضين، الغرض الأول هو التنديد بهذه الحرب العمياء التي تأتي على الأخضر واليابس، والغرض الثاني: هو تعميق الحس المأساوي:

شجر الحور دخان

والنهر دخان

ورذاذ المطر الناعم فوق الجرح دخان

الملاحظ أن الشاعر قد انتقل من الحركة السابقة إلى هذه الحركة دون عناء كبير، إذ أن ما يربط الحركتين هو الغابات ثم شجر الحور ـ وقد تكرر كلمة (دخان) ، ثلاث مرات في ثلاثة أسطر وذلك ليدل على شمولية الدخان واحتياجه لكل مكان وتدنيسه للطبيعة ـ وإذا كان الدخان دليل النار فإن ذلك يصور النار الملتهبة في جميع أرجاء لبنان، وغلبة عناصر الفناء، والموت على عناصر الحياة.

كما أن النظرة المتمعنة لهذه الحركة تبين لنا إضافة إلى شمول الدخان وتواجده في كل مكان، دليل على عموم الحرب ونيرانها، نكتشف أن الأسطر الثلاثة تحيلنا إلى مصادر القذف: البر (شجر) ، البحر (النهر) ، والجو (رذاذ المطر) ، لأن مصدر المطر هو العلو والسحاب، وعن طريق هذه الصور يحاول الشاعر القبض على أبعاد المأساة وذلك من زوايا متعددة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت