فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 783

فهذا اليوم توسّع فيه الناس، وخاصةً أهل الغلو، وصاروا يكفرون بغير مُكفّر؛ بل وجدنا من يُكفّر بمسائل الاجتهاد، وقد بحثت هذا في"جؤنة المطيبين"، فليُرجَع إليه.

ولكن لا بأس هنا أن أبيّن شيئًا انتشر عندكم أنه من المكفرات، وهو التحالف مع الكفار في قتال طائفةٍ مسلمة باغيةٍ أو محاربة، وهذه مسألةٌ تحتاج إلى تفصيل؛ فإنه لو تحالف مسلمٌ ضد مسلم كائنًا ما كان وصفه، باغيًا أو محاربًا، ولكنه قاتله على إسلامه وليفتنه عن دينه إلى الكفر، لكان المسلم المتحالف مع الكافر كافرًا.

لكن لو كان نوع القتال على غير هذا الوصف، وهو قتاله لرد بغيه أو لمنع صياله، فهذه مسألةٌ اجتهادية اختلفَ فيها الفقهاء، وأنتم تعلمون كلام ابن حزم [1] .

وأنا أسوق لكم أقوال مذهب الشافعية لتعلموا أن المسألة خلافية في المذهب الواحد، وهذا لإخراجها لزومًا عند طالب العلم -لا الجاهل- من كونها من أعمال الكفر عندهم، لأن الجاهل لا يعرف إلا هذين الحدين: الكفر والإيمان، والفقيه يُفرّق.

قال الرملي في (نهاية المحتاج 7/ 407) : ولا يُستعانُ عليهم بكافر ولو ذميًا، لأنه يحرم تسليطه على المسلم، ولأن القصد ردهم للطاعة، والكفار يتدينون بقتلهم، نعم يجوز الاستعانة بهم عند الضرورة، كما نقله الأذرعي وغيره عن المتولي وقال:

(1) قال ابن حزم الأندلسي في (المحلى، باب أحكام المرتدين 13/ 68) : وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين فاستعان بالمشركين الحربيين وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين، أو على أخذ أموالهم أو سبيهم، فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له كأتباع فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافرًا؛ لأنه لم يأت شيئًا أوجب به عليه كفرًا قرآن أو إجماع، وإن كان حكم الكفار جاريًا عليه فهو بذلك كافر، على ما ذكرنا، فإن كانا متساويين لا يجري حكم أحدهما على الآخر فما نراه بذلك كافرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت