فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 783

وهذا شأن الكثير من التنظيمات في سورية الشام؛ بعضهم بدأ الأخذ من الغير تحت باب الحاجة، ثم سلك حتى صار ديوثًا قوادًا في بيع الجهاد والمتاجرة به، وقدوم تنظيم الغلاة على هؤلاء -فيما رأيت- كان متأخرًا بعد أن تمت القوادة مع الآخرين، وخصوم الجهاد لهم عيون تراقب وترصد، فتمَّ التقاء المصالح بين خصوم الجهاد من أنظمة وما شابه من حكومات مع طلب الغلاة في هذه التنظيمات لتحقيق لكل واحدٍ مقصده.

دولة الغلاة شر، والشر خيار، لكن لشريرٍ لا صالح، ولا يوجد في تاريخنا تجربةٌ واحدة حقق الخصوم مقاصدهم في أمّتنا إلا من خلال الداخل منّا، والغلاة خير مطاياهم في هذا الزمان بعد ان استنفذت جهود المتميعين في بابهم، فالجهاد لا ينفع معه خيار التميُّع، بل ينفع هذا الخيار -أي التميُّع- مع المتحللين أو الباحثين عن التحلل من الشريعة، وأمّا الشاب المتحمس فخيار الغلو هو سبيل امتطائه لمقاصد الأغيار، فكانت الدولة خير مطاياهم لتحقيق مقاصدهم في تفريق الجهاد وإفساد صورته وقتل رجاله وأئمته، وتسويد صحائف إعلامه وعلمائه.

والكفر الخارجي كما أنظمة الردّة لو بذلت الملايين، وسوّدت آلاف الصفحات، وأعملت كل آلتها الإعلامية، فإنها لن تستطيع ما استطاعه الغلاة في هذا الباب؛ ولذلك هم خيار الشر، وخيار الشر شر، لأن المؤمن يعلم أنه ليس في الشر خيارًا، كما يعلم أن الخير لا يأتي إلا بالخير.

كلاهما خاطب لهذه المجموعات القذرة في الجنوب: الغلاة لمقاصدهم، والمجرمون لمقاصدهم. وهذه التنظيمات فيها من هو المغفل الجاهل، بل ربما أتاها من قبيل الدين والورع، لكنه ورع الجهلة القاتل للدين نفسه، وفيها الخبيث، والذي حاله كحال العميل المزدوج، وهو يبذل وسعه وجهده لمن يدفع؛ وهذا حال هؤلاء الذاهبين للدولة: فمنهم من هو مسمار حذاء لأنظمةٍ طاغوتيةٍ خارجية تكيدُ للمجاهدين، ومنهم من هو غالٍ يستهويه الغلو لعدم العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت