فهرس الكتاب
ولكن الامتداد بالأمة حتى آخر الزمان ليس مهمة سهلة، بل تتطلب أن يجتمع في المهدي كل الإمكانيات اللازمة لهذا الامتداد، وأول هذه الإمكانيات: الخلافة، فالمهدي خلافة مباركة سيعينه الله عليها، لأنه لم يكن يستشرفها لنفسه بل كان كارهًا لها، وهذا هو سبب البركة والصلاح، ولذلك ولأجل البركة في الخلافة، كان المهدي هو الخليفة الذي يحثو المال حثوًا، وفي هذا دليل على بركة عدم الاستشراف للدنيا والسلطان والمال.
وأهم دلائل الهداية القدرية للمهدي المتعلقة بالخلافة هي مكان الخلافة نفسه، لأن الله عز وجل ذكر هذا المقام كمقام هداية وآيات بينات للعالمين، فقال عز وجل: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) } (آل عمران:96 - 97) . وجدير بالتدبر ذلك المكان الذي انطلق سيبايع فيه المهدي، فهو بين الركن والمقام، وفي ذلك ربط بين سيدنا إبراهيم كأول إمام للأمة المسلمة، وبين المهدي كآخر إمام لها، ووسيطة الإمامة المحمدية بينهما، فهو ارتباط بين ولاية المهدي على المسلمين وبين العهد الذي كان من الله لهم في قول الله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) } (البقرة:127 - 129) .