فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد، فقد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إليّ ببنيّات الطّرق (1) ؛ وقد علمت أنّي لست أرضى منك إلا بالحقّ البيّن؛ ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك؛ ولكنّي وجّهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج، فإنّما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصورون. والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو؛ أمّا بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج، ويزعم أنّي أعند عن الحقّ، وأنكب عن الطريق؛ وإنّي والله ما أرغب عن صالح ما تعلم؛ ولكنّ أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلّتهم؛ فنظرت للمسلمين؛ فكان الرّفق بهم خيرا من أن يخرق بهم، فنصير إلى ما لا غنى بهم عنه. والسلام.
فلمّا استبطأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخراج، كتب إليه: أن ابعث إليّ رجلا من أهل مصر؛ فبعث إليه رجلا قديما من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شيء إلّا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنّما يأخذ ما ظهر له؛ كأنّه لا يريدها إلّا لعام واحد.
فعرف عمر ما قال: وقبل من عمرو ما كان يعتذر به.
قال ابن عبد الحكم: حدّثنا هشام بن إسحاق العامريّ قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص، أن يسأل المقوقس عن مصر: من أين تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: تأتي عمارتها وخرابها من خمسة وجوه: أن يستخرج الخراج في إبّان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبّان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومها، وتحفر في كلّ سنة خلجها، وتسدّ ترعها وجسورها، ولا يقبل محل أهلها ـ يريد البغي ـ فإذا فعل هذا فيها عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت.
(1) بنيّات الطرق: صغارها المتفرّعة عن كبارها.