فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 845

رجاء أن تفيق فترفع إليّ ذلك؛ وقد علمت أنّه لم يمنعك من ذلك إلّا عمّالك عمّال السوء، وما توالس (1) عليه وتلفّف؛ اتّخذوك كهفا. وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عمّا أسألك عنه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحقّ وتعطاه؛ فإن النّهز (2) يخرج الدّرّ (3) ، والحقّ أبلج، ودعني وما عنه تتلجلج، فإنه قد برح الخفاء. والسلام.

فكتب إليه عمرو بن العاص:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الّذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيه من عمل الفراعنة قبل، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام. ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر، لأنّهم كانوا على كفرهم وعتوّهم أرغب في عمارة أرضهم منّا منذ كان الإسلام. وذكرت بأن النّهز يخرج الدرّ، فحلبتها حلبا قطع ذلك درّها. وأكثرت في كتابك، وأنّبت، وعرّضت وثرّبت (4) ؛ وعلمت أنّ ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر؛ فجئت لعمري بالمفظعات المقذعات؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق. وقد عملنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن بعده؛ فكنّا بحمد الله مؤدّين لأماناتنا، حافظين لما عظّم الله من حقّ أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيّئا، فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا. معاذ الله من تلك الطعم، ومن شرّ الشّيم، والاجتراء على كلّ مأثم؛ فاقبض عملك؛ فإنّ الله قد نزّهني عن تلك الطّعم الدنيّة والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا. والله يا بن الخطاب؛ لأنا حين يراد ذلك منّي أشدّ لنفسي غضبا، ولها إنزاها وإكراما. وما علمت من عمل أرى عليّ فيه متعلّقا؛ ولكنّي حفظت ما لم تحفظ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت ـ يغفر الله لك ولنا ـ وسكت عن أشياء كنت بها عالما؛ وكان اللسان بها منّي ذلولا؛ ولكنّ الله عظّم من حقّك ما لا يجهل. والسلام.

فكتب إليه عمر بن الخطاب:

(1) توالس: تخادع ولا تصرّح.

(2) النهز: الضرب.

(3) الدرّ: اللبن.

(4) التثريب: اللوم والتأنيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت