فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 845

طولون، فضاق بالجند والرعيّة، فبنى في شرقيّة مدينة، وسمّاها القطائع، وأسكنها الجند، يكون مقدارها ميلا في ميل. ولم تزل عامرة إلى أن هدمها محمد بن سليمان الكاتب في أيّام المكتفي، حنقا على بني طولون سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأبقى الجامع. ثمّ ملك العبيديّون (1) مصر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فبنى جوهر (2) القائد مولى المعزّ مدينة شرقيّ مدينة ابن طولون، وسمّاها القاهرة، وبنى فيها القصور لمولاه، فصارت بعد ذلك دار الملك ومقرّ الجند.

قال في السّكردان (3) : وكان جوهر لمّا بنى القاهرة سمّاها المنصورة، فلمّا قدم المعزّ غيّر اسمها، وسمّاها القاهرة؛ وذلك أن جوهرا لمّا قصد إقامة السّور جمع المنجّمين، وأمرهم أن يختاروا طالعا لحفر الأساس، وطالعا لريّ حجارته، فجعلوا قوائم من خشب، بين القائمة والقائمة حبل فيه أجراس، واعلموا البنّائين أنّه ساعة تحريك الأجراس يرمون ما بأيديهم من الطّين والحجارة، فوقف المنجّمون لتحرير هذه الساعة، وأخذ الطّالع، فاتّفق وقوع غراب على خشبة من الخشب، فتحرّكت الأجراس، فظنّ الموكّلون بالبناء أنّ المنجّمين حرّكوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة في الأساس، فصاح المنجّمون: «لا، لا» ، القاهر في الطالع، فمضى ذلك فلم يتم لهم ما قصدوه؛ وكان الغرض أن يختاروا طالعا لا يخرج عن نسلهم، فوقع أنّ المرّيخ كان في الطالع؛ وهو يسمّى عند المنجّمين القاهر؛ فعلموا أنّ الأتراك لا بدّ أن يملكوا هذه القرية، فلما قدم (4) المعزّ، وأخبر بهذه القضيّة ـ وكان له خبرة تامّة بالنّجامة ـ وافقهم على ذلك وأنّ التّرك تكون لهم الغلبة على هذه البلدة، فسمّاها القاهرة، وغيّر اسمها الأول.

(1) سميت الدولة الفاطمية بالعبيدية نسبة إلى أول خلفائها عبيد الله المهدي. [انظر الكامل لابن الأثير: 6/ 124] .

(2) هو أبو الحسن جوهر بن عبد الله القائد المعزّي المعروف بالكاتب مولى المعزّ لدين الله أبي تميم معد العبيدي الفاطمي. [الكامل لابن الأثير: 7/ 31] .

(3) صاحبه ابن حجلة كما جاء في مقدّمة المؤلف.

(4) قدم المعزّ من الغرب إلى مصر سنة 361 ه‍. [انظر الكامل لابن الأثير: 7/ 45] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت