فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 845

قصد المستغير لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنّضير، وعلى الخصوص البيت المقدّس فإنّه بلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، والّذي توجّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم. وقد أصبح وهو يشكو طول المدّة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته. فانهض إليه نهضة متوغّل في فرحه، وتبدل صعب قياده بسمحه؛ وإن كان له عام حديبيّة فاتّبعه بعام فتح. وهذه الاستزادة بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده، أو مستهدما فرفعت قواعده، ومن أهمّها ما كان حاضر البحر كأنّه أعمه عورته مكشوفة، وخطّة مخوفة، والعدوّ قريب منه على بعده. وكثيرا ما يأتيه فجاءة حتّى يشقّ برقه برعده؛ فينبغي أن ترتّب بهذه الثغور رابطة يكثر شجعانها، ويقلّ أقرانها، ويكون قتالها لأن تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كلّ منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار؛ ومع هذا فلا بدّ له من أسطول يكثر عدده، ويقوى مدده، فإنه العمدة التي يستعين بها على كشف العماء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السليمانيّ، فذاك يسري على متن الريح وهذا يجري على متن الماء.

ومن صفات خيله أنّها جمعت بين العوم والمطار، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدّة الأعمار، فإذا أشرعت قيل جبال متلفّعة بقطع من الغيوم، وإذا نظر إلى أشكالها قيل أهلّة غير أنّها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى من جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمّر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها، ولكن قتلها بخبره؛ وكذلك فليكن ممّن أفنت الأيّام تجاربه، ورحمتها مناكبه، وممّن بذل الصّعب إذا هو ساسه وإن سيس لان جانبه، وهذا هو الرجل الذي يرأس على القوم فلا يجد هذه بالرئاسة، فإن كان في الساقة ففي الساقة أو كان في الحراسة ففي الحراسة. ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه، وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنجح من رأيه.

واعلم أنّه قد أخلّ من الجهاد بركن يقدح في علمه، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أنّ صدق النيّة تأتي في أوّله؛ وذلك هو قسم الغنائم، فإنّ الأيدي قد تناولته بالإجحاف، وخلطت جهادها فيه بفلولها، فلم ترجع بالكفاف. والله قد جعل الظلم في تعدّي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة؛ ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا شرّ زمان وناسه شرّ ناس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه ثمّ نهمله إهمال مضيع ولا إهمال ناس.

والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر على المنصوص من حكمه، وتبرّئ ذمّتك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت