فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 845

ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلّف، وجعل له من لباس العبّاس ما يقضي سواده بسؤدد الأجداد، وينفض على ظلّ الهدب ما فضل عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد، ويمدّ ظلّه على الأرض وكلّ مكان دار ملك وكلّ مدينة بغداد، وهو في ليله السجّاد، وفي نهاره العسكري وفي كرمه جعفر وهو الجواد؛ يديم الابتهال إلى الله في توفيقه، والابتهاج بما يغصّ كلّ عدوّ بريقه.

وتبدأ بعد المبايعة بما هو الأهمّ من مصالح الإسلام، وصالح الأعمال فيما تتحلّى به الأيّام، ويقدّم التقوى أمامه، ويقرّر عليها أحكامه، ويتّبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس، ومن لا يحمل أمره طائعا على العين يحمله غصبا على الرأس، ويعجّل أمير المؤمنين بما استقرّت به النفوس، ويردّ به كيد الشيطان إنّ يؤوس، ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غنيّ عن هذا ولكنه يسوس.

وأمير المؤمنين يشهد الله وخلقه عليه، أنّه أقرّ وليّ كلّ أمر من ولاة أمور الإسلام على حاله، واستمرّ به في مقيله تحت كنف ظلاله، على اختلاف طبقات ولاة الأمور، وطرقات الممالك والثغور، برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وكلّ جليل وحقير، وقليل وكثير، وصغير وكبير، وملك ومملّك وأمير، وجنديّ يرى له سيف شهير، ورمح ظهير، ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتّاب، ومن له تدقيق في إنشاء وتحقيق في حساب، ومن يتحدّث في بريد وخراج، ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج، ومن في التّدريس والمدارس، والرّبط والزّوايا والخوانق، ومن له أعظم التعلّقات وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب، وأصحاب الرواتب، ومن له من الله رزق مقسوم، وحقّ مجهول أو معلوم، استمرارا لكلّ امرئ على ما هو عليه، حتّى يستخير الله ويتبيّن له ما بين يديه، فمن ازداد تأهيله زاد تفضيله، وإلّا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله، ولا يحابي أحدا في دين الله، ولا يحابي حقّا في حقّ؛ فإنّ المحاباة في الحقّ مداجاة على المسلمين، وكلّ ما هو مستمرّ إلى الآن مستقرّ على حكم الله ممّا فهّمه الله له، وفهّمه سليمان، لا يغيّر أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه شكرا لله على نعمه، وهكذا يجازي من شكر، ولا يكدّر على أحد موردا نزّه الله نعمه الصافية عن الكدر، ولا يتأوّل في ذلك متأوّل إلا من جحد النّعمة أو كفر، ولا يتعلّل متعلل؛ فإنّ أمير المؤمنين يعوذ بالله ويعيذ أيامه الغرر من الغير، وأمر أمير المؤمنين ـ أعلى الله أمره ـ أن يعلن الخطباء بذكره، وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وأن تضرب باسمهما النقود وتسير بالإطلاق، ويوشّح بالدّعاء لهما عطف الليل والنهار، ويصرّح منه بما يشرق به وجه الدرهم والدينار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت