فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كانت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا نزاع، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كلّ طرف منه معقود، وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود؛ فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلّف، ولم ير بائعه وقد مدّ يده طائعا لمزيدها وقد تكلّف، وأجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار، وأخذ يمين تمدّ لها الأيمان، ويشدّ بها الإيمان، وتعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كلّ فريق؛ حتّى تقلّد كلّ من حضر في عنقه هذه الأمانة، وحطّ على المصحف الكريم يده وحلف بالله وأتمّ أيمانه، ولم يقطع ولا استثنى ولا تردّد، ومن قطع عن غير قصد أعاد وجدّد، وقد نوى كلّ من حلف أنّ النية في يمينه نيّة من عقدت له هذه البيعة ونيّة من حلف له، وتذمّم بالوفاء له في ذمّته وتكفله، على عادة أيمان البيعة وشروطها، وأحكامها المردّدة، وأقسامها المؤكّدة بأن يبذل لهذا الإمام المفترض الطاعة الطاعة، ولا يفارق الجمهور ولا يفرّ عن الجماعة الجماعة، وغير ذلك مما تضمّنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها ممّا هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول الثّقات عمّن لم يكتبوا وأذنوا أن يكتب عنهم، حسبما يشهد به بعضهم على بعض، وتتصادق عليه أهل السماء والأرض، بيعة تمّ بمشيئة الله تمامها، وعمّ بالصّوب المغدق غمامها؛ وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن، ووهب لنا الحسن، ثمّ الحمد لله الكافي عبده، الوافي لمن تضاعف على كلّ موهبة حمده، ثمّ الحمد لله على نعمة يرغب أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب إلّا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها، ويرأب بها من أثر في منابر ممالكه ما بان من مباينة أضدادها؛ نحمده والحمد لله، ثمّ الحمد لله، كلمة لا يملّ من تردادها، ولا تخلّ بما تفوّق السهام من سدادها، ولا تبطل إلّا على ما يوجب تكثير أعدادها، وتكبير أقدار أهل ودادها، وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تتقايس بدماء الشّهداء وإمداد مدادها، وتتنافس طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدبّجة وما تلبسه الدولة العباسيّة من شعارها والليالي من دثارها والأعداء من حدادها؛ صلّى الله عليه وعلى جماعة أهله، ومن خلف من أبنائها وسلف من أجدادها، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد؛ فإنّ أمير المؤمنين لمّا ألبسه الله من ميراث النبوّة ما كان لجدّه، ووهبه من الملك السليمانيّ ما لا ينبغي لأحد من بعده، وعلّمه منطق الطّير بما تحمّله حمائم النطائق من بدائع البيان، وسخّر له من البريد على متون الخيل ما سخّره من الريح لسليمان، وآتاه من خاتم الأنبياء ما امتدّ به أبوه سليمان وتصرّف، وأعطاه من الفخار به