فهرس الكتاب

الصفحة 551 من 845

الله أكبر ليومه لو لا مخلفة كانت تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كلّ نفس بما كسبت، وتنبئ كلّ سريرة ما ادّخرت وما خبّأت. لقد اضطرم سعير إلا أنّه في الجوانح، لقد اضطرب منبر وسرير لولا خلفه الصالح، لقد اضطرب مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح؛ ولم يكن في النسب العباسيّ ولا في البيت المسترشديّ، ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء وجدود، ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود؛ من تسلّم إليه أمّة محمد عقد نيّاتها، وسرّ طويّاتها، إلا واحد وأين ذلك الواحد؟! هو والله من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده الأخيار، ولا شيء هو إلّا ما اشتمل عليه رداء الليل والنهار؛ وهو ولد المنتقل إلى ربّه، وولد الإمام الذاهب لصلبه، المجمع على أنّه في الأيّام فرد الأنام، وواحد وهكذا في الوجود الإمام، وأنّه الحائز لما زرّت (1) عليه جيوب المشارق والمغارب، والفائز لملك ما بين المشارق والمغارب، الرامي في صفيح السماء هذه الذّروة المنيفة، الراقي بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة، المجتمع فيه شروط الإمامة، المتّضع لله وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة، الّذي يفضح السحائب نائله، والذي لا يعزّه عادله (2) ولا يغيّره عاذله، والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه، إلا قال ناصره وقام قائمه، ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنّه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه، نائب الله في أرضه، والقائم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته وابن عمّه، وتابع عمله الصالح ووارث علمه، سيّدنا ومولانا عبد الله، ووليّه أبو العباس الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، أيّد الله ببقائه الدّين، وطوّق سيفه رقاب الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النّصر إلى يوم الدين، وكبّ بجهاده على الأذقان طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض ممّن لا يدين بدين، وأعاد بعدله أيّام آبائه الخلفاء الراشدين، والأئمة المهذّبين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، ونصر أنصاره، وقدّر اقتداره، وأسكن في القلوب سكينته ووقاره، ومكّن له في الجود وجمع له أقطاره.

ولمّا انتقل إلى الله ذلك السيّد ولقي أسلافه، ونقل إلى سرير الجنّة عن سرير الخلافة، وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يغالب مزيد الليل بأنواره، ووارث نبيّ بمثله ومثل آبائه استغنى الوجود بعد ابن عمّه خاتم الأنبياء عن نبيّ يقتفي على آثاره، ومضى ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النصّ إلا الإجماع، وعليه

(1) زرّت: جمعت.

(2) لا يعزّه عادله: لا يغلبه مساويه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت