فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
نزلوا في خدمة شيخ إلى الإصطبل؛ فأعيدت الخدمة عنده، ويقع عنده الإبرام والنقض، ثم يتوجّه دواداره (1) إلى المستعين، فيعلم على المناشير والتواقيع. ثمّ إنّ تقدّم إليه بألّا يمكّن الخليفة من كتابة العلامة إلا بعد عرضها عليه، فاستوحش الخليفة عليه، وضاق صدره، وكثر قلقه، فلمّا كان في شعبان سأل شيخ الخليفة أن يفوّض إليه السلطنة على العادة، فأجاب بشرط أن ينزل من القلعة إلى بيته، فلم يوافقه شيخ على النزول، بل استنظره أياما.
ثمّ إنه نقل المستعين من القصر إلى دار من دور القلعة، ومعه أهله، ووكّل به من يمنعه الاجتماع بالنّاس، فبلغ ذلك نوروز، فجمع القضاة والعلماء في سابع ذي القعدة، واستفتاهم عمّا صنعه شيخ بالخليفة، فأفتوه بعدم جواز ذلك؛ فأجمع على قتال شيخ، واستمرّ المستعين في القلعة إلى ذي الحجّة سنة ستّ عشرة، وهو باق على الخلافة، فلمّا عزم شيخ إلى الشام خشي من غائلته، وأراد خلعه فراجع البلقينيّ في ذلك. وكان في نفسه من المستعين شيء لكونه عزله، فرتّب له دعوى شرعيّة، وحكم بخلعه من الخلافة، وبايع بالخلافة أخاه أبا الفتح داود، ولقّب المعتضد بالله، وسيّر المستعين إلى الإسكندرية، فأقام بها إلى أن مات شهيدا بالطاعون، في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين (2) .
واستقرّت الخلافة باسم المعتضد، وكان من سروات الخلفاء، نبيلا ذكيا فاضلا، يجالسه العلماء والفضلاء، ويستفيد منهم ويشاركهم فيما هم فيه، جوادا سمحا، وطالت مدّته في الخلافة نحو ثلاثين سنة، فلمّا حضرته الوفاة عهد بالخلافة إلى شقيقه أبي الربيع سليمان، ولقّب المستكفي بالله؛ وكان والدي خصيصا به، فكتب له العهد بيده وهذه صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أشهد على نفسه الشّريفة حرسها الله وحماها، وصانها من الأكدار ورعاها، سيّدها ومولانا ذو المواقف الشريفة الطاهرة الزكيّة الإماميّة الأعظميّة العبّاسية النبويّة المعتضديّة، أمير المؤمنين وابن عمّ سيد المرسلين، ووارث الخلفاء الراشدين، المعتضد بالله تعالى أبو الفتح داود، أعزّ الله به الدين، وأمتع ببقائه
(1) الدوادار: مسئول عن تبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور وتقديم القصص والمشاورة على من يحضر إلى الباب وتقديم البريد. [الخطط المقريزية: 2/ 222] .
(2) شذرات الذهب: 7/ 203.