وجميع العلوم الغامضة وأسماء العقاقير ومنافعها ومضادّها وعلم الطّلسمات والحساب والهندسة والطبّ، وكل ذلك مفسّر لمن يعرف كتابتهم ولغاتهم. ولمّا أمر ببنائها قطعوا الأسطوانات العظام والبلاطات الهائلة، وأحضروا الصخور من ناحية أسوان، فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة، وشدّها بالرّصاص والحديد والصّفر، وجعل أبوابها تحت الأرض بأربعين ذراعا، وجعل ارتفاع كلّ واحد مائتي ذراع بالملكيّ ـ وهي خمسمائة (1) ذراع بذراعنا الآن ـ وجعل ضلع كلّ واحد من جميع جهاته مائة ذراع بالملكي أيضا. وكان ابتداء بنائها في طالع سعيد؛ فلمّا فرغ منها كساها ديباجا ملوّنا من فوق إلى أسفل، وجعل لها عيدا حضره أهل مملكته كلّها، ثمّ عمل في الهرم الغربيّ ثلاثين مخزنا مملوءة بالأموال الجمّة، والآلات، والتماثيل المعمولة من الجواهر النفيسة، وآلات الحديد الفاخر، والسلاح الّذي ما يصدأ، والزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، والطّلسمات الغريبة، وأصناف العقاقير المفردة والمؤلّفة (2) ، والسموم القاتلة، وغير ذلك. وعمل في الهرم الشرقيّ أصناف القباب الفلكيّة والكواكب، وما عمل أجداده من التّماثيل والدّخن التي يتقرّب بها إليها ومصاحفها، وجعل في الهرم الملوّن أخبار الكهنة في توابيت من صوّان أسود، مع كلّ كاهن مصحفه. وفيها عجائب صنعته وحكمته وسيرته، وما عمل في وقته وما كان وما يكون من أوّل الزمان إلى آخره، وجعل لكلّ هرم خازنا، فخازن الهرم الغربيّ من حجر صوّان واقف، ومعه شبه الحربة، وعلى رأسه حيّة مطوّقة، من قرب منه وثبت إليه من ناحية قصده، وطوّقت على عنقه فتقتله، ثمّ تعود إلى مكانها. وجعل خازن الهرم الشرقيّ صنما من جزع أسود، وله عينان مفتوحتان برّاقتان، وهو جالس على كرسيّ، ومعه شبه حربة، إذا نظر إليه ناظر سمع من جهته صوتا يفزع قلبه، فيخرّ على وجهه، ولا يبرح حتّى يموت، وجعل خازن الهرم الملوّن صنما من حجر البهت على قاعدة، من نظر إليه اجتذبه الصنم حتّى يلتصق به، ولا يفارقه حتّى يموت.
وذكر القبط في كتبهم أنّ عليها كتابة منقوشة تفسيرها بالعربية: «أنا سوريد الملك، بنيت الأهرام في وقت كذا وكذا، وأتممت بناءها في ستّ سنين، فمن أتى بعدي، وزعم أنّه مثلي فليهدمها في ستمائة سنة، وقد علم أنّ الهدم أيسر من البناء، وإنّي كسوتها عند فراغها بالدّيباج، فليكسها بالحصر» .
ولمّا دخل الخليفة المأمون مصر، ورأى الأهرام، أحبّ أن يعلم ما فيها، فأراد
(1) في معجم البلدان: أربعمائة ذراع.
(2) العقاقير المركّبة.