فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 845

وإن خفي عليك مثل هذا الخطر، وشغلتك الدنيا عن معرفة الوطر، فتأمّل كلام النبوّة: «القضاة ثلاثة قاض في الجنّة وقاضيان في النار» ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرّ مشفقا عليه: «لا تأمّرنّ على اثنين ولا تولّين مال يتيم» ، وما أنا والسير في متلف مبرّح بالذّاكر الضابط، هيهات جفّ القلم، ونفذ حكم الله، فلا رادّ لما حكم. إيه، ومن هناك شمّ الناس من فم الصديق رائحة الكبد المشويّ. وقال الفاروق: ليت أمّ عمر لم تلده! وقال عليّ والخزائن مملوءة ذهبا وفضة: من يشتري سيفي هذا ولو وجدت ما أشتري به رداء ما بعته ـ وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز فمات من خشية العرض، وعلّق بعض السلف سوطا يؤدّب به نفسه إذا فتر. فترى ذلك سدى، أم نحن المقرّبون وهم البعداء! فهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السّلم، والإجارة والجنايات، وإنّما تنال بالخضوع والخشوع، وأن تظمأ وتجوع.

ومما يعينك على الأمر الذي دعوتك إليه، ويزوّدك في السفر المعرض عليه، أن تجعل لك وقتا وتعمره بالتذكّر والتفكّر، وإنابة تجعلها معدّة لجلاء قلبك، فإنّه إن استحكم صداه صعب تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه.

فاجعل أكثر همومك الاستعداد ليوم المعاد، والتأهّب لجواب الملك الجواد، فإنّه يقول: (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92] .

ومهما وجدت من همّتك قصورا، واستشعرت من نفسك عمّا بدا لها نفورا، فاجررها إليه وقف ببابه واطلب، فإنّه لا يعرض عمّن صدق، ولا يعزب عن علمه خفايا الضمائر (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) [الملك: 14] .

فهذه نصيحتي إليك، وحجّتي بين يدي الله إن فرطت إذا سئلت عليك؛ فنسأل الله لي ولك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنّة بمنّه وكرمه، وخفيّ لطفه، والسلام.

واستمرّ الشيخ إلى أن توفّي في صفر سنة اثنتين وسبعمائة.

وأعيد بعده القاضي بدر الدين بن جماعة، ثمّ صرف في ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة.

وولي جمال الدين بن عمر الزّرعيّ، ثمّ صرف.

وأعيد ابن جماعة في ربيع الآخرة سنة إحدى عشرة، فلم يزل إلى أن عمي سنة سبع وعشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت