فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 845

وولي بعده الشيخ تقيّ الدين (1) بن دقيق العيد بعد امتناع شديد، حتّى قالوا له: إن لم تفعل ولّوا فلانا أو فلانا ـ لرجلين لا يصلحان للقضاء ـ فرأى أنّ القبول واجب عليه حينئذ. ذكره الإسنويّ في الطبقات. قال ابن السبكيّ: وعزل نفسه غير مرّة ثمّ يعاد. قال الإسنويّ: وكانت القضاة يخلع عليهم الحرير، فامتنع الشيخ من لبس الخلعة، وأمر بتغييرها إلى الصوف، فاستمرّت إلى الآن. وحضر مرّة عند السلطان لاجين (2) ، فقام إليه السلطان، وقبّل يده؛ فلم يزده على قوله: أرجوها لك بين يدي الله. وكان يكتب إلى نوّابه، ويعظهم ويبالغ في وعظهم، ومع ذلك رآه بعض خيار أصحابه في المنام وهو في مسجد، فسأله عن حاله، فقال: أنا معوّق هاهنا بسب نوّابي. هذا مع الاحتراز التامّ والكرامات الصحيحة الثابتة عنه. فهذا كلّه كلام الإسنويّ.

ومن لطائفه ما كتب إلى نائبه بإخميم: صدرت هذه المكاتبة إلى مجلس مخلص الدّين، وفقه الله تعالى لقبول النصيحة، وآتاه لما يقربه إليه قصدا صحيحا ونيّة صحيحة، أصدرناه إليه بعد حمد الله الّذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويمهل حتّى لا يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور؛ ونذكّره بأيّام الله (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: 47] ، ونحذّره صفقة من باع الآخرة بالدنيا فما أحد سواه مغبون؛ عسى الله أن يرشده بهذا التّذكار وينفعه، وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار؛ فإني أخاف أن يتردّى فيخرّ من ولّاه معه. والعياذ بالله. والمقتضي لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم ممّا يجب للربّ على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدّار وهم يزعجون عنها، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود وهم لا يتخفّفون منها. ولا سيّما القضاة الذي تحمّلوا أعباء الأمانة على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار وهمم نحيفة، وو الله إنّ الأمر عظيم، والخطب جسيم؛ ولا أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا، ولا راحة ولا استمرارا، اللهمّ إلا رجلا نبذ الآخرة وراه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همّة وهمّته على حظّ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حب الجاه. والرغبة في قلوب الناس وتحسين الزيّ والملبس، والرّكبة والمجلس، غير مستشعر خساسة حاله ولا ركاكة مقصده، فإنّك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور.

فاتّق الله الّذي يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فإنّ المحروم من فضله غير مرحوم، وما أن وإيّاكم أيّها النفر إلّا كما قال حبيب العجميّ وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق! قال: قد وقعتم فاحتالوا!

(1) شذرات الذهب: 6/ 5.

(2) تسلطن سنة 696 ه‍. النجوم الزاهرة: 8/ 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت