وفيه: (فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر، وأبو بكر يسمع الناس" [1] ."
وقد بوّب البخاري - رحمه الله - على حديث عائشة بقوله:"باب من أسمع الناس تكبير الإمام" [2] .
قال ابن رجب رحمه الله: (فقالت طائفة: المعنى أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر، وكان مبلغًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم يكن إمامًا للناس، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كان بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان أبو بكر يبلغ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التكبير؛ ليتمكنوا من الاقتداء) [3] ، وقال أيضًا عند قول عائشة - رضي الله عنها: (وأبو بكر يسمع الناس التكبير) : وهذا يدل على شيئين: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحته لم يكن من عاداته أن يُبَلِّغَ أحدٌ وراءه التكبير؛ بل كان هو يسمع أهل المسجد تكبيرة، فلا يحتاج إلى من يُبَلِّغُ عنه.
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض ضعف صوته عن إسماع أهل المسجد، فكان أبو بكر - رضي الله عنه - حينئذٍ يُسْمِعُ تكبيره، ويبلغ عنه ... فمتى كان الإِمامُ صوته ضعيفًا لمرض أو غيره، ولم يبلغ المأمومين صوته، وكان المسجد كبيرًا لا يبلغه صوت الإمام، شُرِعَ لبعض المأمومين أن يبلغ الباقين التكبير جهرًا، ويكون الجهر على قدر الحاجة إليه، من غير زيادة على ذلك [4] .
قال الإمام النووي رحمه الله: (يسن للإمام الجهر بتكبيرات الصلاة كلها، ويقول: سمع الله لمن حمده، ليعلم المأمومون انتقاله، فإن كان ضعيف الصوت
(1) رواه البخاري في الصحيح كتاب الأذان باب من أسمع الناس تكبير الإمام حديث (712) (1/ 235) ورواه مسلم في الصحيح كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما حديث (318) (1/ 261) واللفظ هنا لمسلم رحمه الله.
(2) صحيح البخاري باب رقم (67) (1/ 235) .
(3) فتح الباري لابن رجب (6/ 253) .
(4) فتح الباري لابن رجب (6/ 248 - 249) .