وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله - كما في مسائل الكوسج: تكره أن يقضي في المسجد؟ قال: (ما زال المسلمون يقضون في المسجد) [1] ، قال ابن قدامة رحمه الله: (وكان أصحابه - رضي الله عنهم - يطالب بعضهم بعضًا بالحقوق في المسجد، وربما رفعوا أصواتهم) [2] .
وقد استدل القائلون بكراهة رفع الصوت بالخصومة في المسجد بعدة أدلة، منها: الدليل الأول: عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثًا، وإياكم وهيشات الأسواق) [3] .
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هيشات الأسواق وهو يسوي صحابته للصلاة، أي: لا يصنعوا في بيوت الله كما يصنع في الأسواق، قيل: إن الكلام يتعلق بالسابق والنهي عن رفع الصوت في المسجد [4] ، والهيشات: هي الفتنة والاختلاط [5] ، قال الخطابي رحمه الله: (هيشات الأسواق ما يكون فيها من الجلبة وارتفاع الأصوات وما يحدث فيها من الفتن) [6] .
قال النووي رحمه الله: (أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن) [7] .
الدليل الثاني: عن واثلة بن الأسقع [8] - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (جنبوا
(1) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (7/ 3714) .
(2) المغني (14/ 21) .
(3) رواه مسلم في الصحيح كتاب الصلاة باب تسوية الصفوف وإقامتها حديث (432) (1/ 271) .
(4) العرف الشذي شرح سنن الترمذي للكشميري (1/ 238) .
(5) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض مادة (هـ و ش) (2/ 273) .
(6) معالم السنن (1/ 185) .
(7) شرح النووي على مسلم (4/ 400) .
(8) واثلة بن الأسقع بن كعب الليثي، أبو الأسقع وقيل أبو محمد، صحابي مشهور، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين، وله مائة وخمس سنين، وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة.
الإصابة (3/ 262) التقريب (ص 579) .