قال الشاطبي [1] رحمه الله: (وذلك أن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبًا لها، والتعريف بمفاسدها دفعًا لها) [2] .
فالمواطن التي أمرت فيها الشريعة برفع الصوت كانت المصلحة في الرفع ترجح على الخفض والأسرار، كما في الأذان لإعلام الناس، والتلبية لإظهار شعار الحج، والتبليغ خلف الإمام عند الحاجة وعدم بلوغ صوت الإمام للمأمومين.
بله المصلحة في غض الصوت والخفض منه، فالغض أوفر للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه [3] ، وهو أقرب إلى التواضع والسكينة [4] .
والمفسدة في رفع الصوت والجهر به، فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته [5] .
ورفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرج الغشاء الذي هو داخل الأذن [6] .
وهذا ما فهمه السلف الصالح في خفض الصوت ورفعه، فقد أخرج ابن أبي الدنيا [7] رحمه الله بسنده عن عاصم بن بهدلة [8] رحمه الله قال:
(1) أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي، محدث فقيه أصولي لغوي مفسر، كان من أئمة المالكية، من كتبه الموافقات والاعتصام مات سنة 790 ه.
برنامج المجاري (ص 116) الأعلام للزركلي (1/ 75) معجم المؤلفين (1/ 118) .
(2) الموافقات للشاطبي (4/ 346) .
(3) انظر في هذا: البحر المحيط لأبي حيان (7/ 184) .
(4) انظر: أحكام القرآن للجصاص (5/ 220) ..
(5) انظر: تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (ص 649) .
(6) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (7/ 184) .
(7) أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا القرشي الأموي مولاهم حافظ للحديث، صاحب التصانيف السائرة في الزهد، منها الفرج بعد الشدة، ومكارم الأخلاق، توفي سنة 281 ه.
الجرح والتعديل (5/ 163) تاريخ بغداد (11/ 293) سير أعلام النبلاء (13/ 397) .
(8) أبو بكر عاصم بن أبي النجود بهدلة الكوفي الأسدي بالولاء، شيخ الإقراء بالكوفة وأحد القراء السبعة، تابعي، ثقة في القراءات، صدوق في الحديث، مات سنة 127 ه.
الطبقات الكبرى (6/ 320) سير أعلام النبلاء (5/ 256) غاية النهاية (1/ 346) .