(دخلت على عمر بن عبدالعزيز [1] رحمه الله فإذا بثيابه غسيلة، فقومت كل شيء عليه بما بين درهمين، ذكر عمامته وغيرها، قال رجل يكلمه فرفع صوته، فقال عمر: مه ترفع صوتك؟ بحسب الرجل المسلم من الكلام ما يسمع صاحبه، قال أبو بكر: كانوا يكرهون رفع الصوت [2] .
الأمر الثالث: أن خفض الصوت ورد الأمر به في الشريعة مخالفة لأهل الجاهلية.
ومخالفة الجاهلية وأهلها مقصد من مقاصد الشريعة التي دعت إليها وحثت عليها في القصد والقول والعمل [3] .
قال الحسن البصري [4] رحمه الله: (كان المشركون يتفاخرون برفع الأصوات) [5] .
قال القرطبي [6] رحمه الله: (وهذه الآية {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونًا بهم، أو بترك الصياح جملة.
وكانت العرب تفخر بصاحب الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتًا كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل، حتى قال شاعرهم:
(1) أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي القرشي، الإمام الحافظ الزاهد العابد أشج بني أمية الخليفة الراشد والملك العادل، مدة خلافته سنتان ونصف، مات سنة 101 ه.
الطبقات الكبرى (5/ 330) الجرح والتعديل (6/ 122) سير أعلام النبلاء (5/ 114) .
(2) إصلاح المال لابن أبي الدنيا، ضمن رسائل ابن أبي الدنيا (2/ 115) .
(3) انظر في تقرير هذا المقصد والتدليل عليه الكتاب العظيم"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم"لابن تيمية رحمه الله.
(4) أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى زيد بن ثابت، تابعي، إمام أهل البصرة، وسيد أهل زمانه علما وعملا. وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء، تتصبب الحمكة من فيه، مات سنة 110 ه.
الطبقات الكبرى (7/ 156) الجرح والتعديل (3/ 40) سير أعلام النبلاء (4/ 563) .
(5) البحر المحيط لأبي حيان (7/ 184) .
(6) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الأندلسي من كبار المفسرين كان ورعا متعبدا متفنّنا متبحِّرا فِي العلم له تصانيف منها الجامع لأحكام القرآن والتذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة، مات سنة 671 ه.
تاريخ الإسلام (15/ 229) الديباج المذهب (2/ 308) ، الأعلام للزركلي (5/ 322) .