وهي رواية للإمام أحمد رحمه الله، واختيار النووي رحمه الله، وبعض فقهاء الشافعية، قال ابن القيم رحمه الله: (وأما الأنين فهل يقدح في الصبر؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد، قال أبو الحسين: أصحهما الكراهة) [1] .
قال النووي رحمه الله: (فالصواب أنه لا كراهة فيه، ولكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى، فلعلهم أرادوا بالكراهة هذا) [2] ، قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (وترك الأنين منه جهده، ولا يكره كما في المجموع وإن صرح جماعة بكراهته) [3] .
واستدل أصحاب القول الأول ممن يرى كراهة الأنين بما رواه ابن أبي شيبة رحمه الله عن ليث رحمه الله قال: قلت لطلحة: إن طاووسًا كان يكره الأنين. قال: فما سمع له أنين حتى مات [4] ، وكذلك الأنين شكوى بلسان الحال، فينافي الصبر [5] .
المناقشة: الكراهة حكم شرعي مفتقرة إلى دليل، فلابد من ثبوت نهي مقصود فيها ولا نهي هنا، فتبقى على أصل الإباحة [6] .
واستدل أصاب القول الثاني بأن الأصل فيه الإباحة ولم يرد ما يمنع منه فالأنين لم يرد فيه دليل شرعي على كراهته، والمكروه ما ثبت فيه نهي مقصود، ولم يثبت هنا دليل، فيبقى على الأصل من الإباحة، وفي الصحيح عن القاسم رحمه الله قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (وا رأساه) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (بل أنا وارأساه) [7] .
(1) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص 414) ، وانظر في إثبات هذه الرواية: التمام لما صح في الروايتين والثلاث والأربع عن الإمام (1/ 255) ، الإنصاف للمرداوي (2/ 464) .
(2) المجموع (5/ 112) .
(3) مغني المحتاج (1/ 491) وانظر: نهاية المحتاج للرملي (2/ 435) تحفة المحتاج للهيتمي (3/ 91) .
(4) سبق تخريجه (ص) .
(5) انظر: عدة الصابرين (ص 414) ، شرح منتهى الإرادات للبهوتي (1/ 340) .
(6) انظر: المجموع للنووي (5/ 112) .
(7) رواه البخاري في الصحيح كتاب الأحكام باب الاستخلاف حديث (7217) (4/ 346) .