الدليل الثالث: من التعليل: قال القاضي أبو يعلى رحمه الله: (إن إخفاء التطوع أولى خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة بخلاف البراري وعرفات والحرم ومكة) [1] .
واستدل القائلون بمشروعية رفع الصوت بالتلبية في المساجد بعموم أدلة مشروعية رفع الصوت بالتلبية التي سبق تقريرها.
قال الشافعي رحمه الله: (فمتى كانت التلبية من الرجل فينبغي له أن يرفع صوته بها، ولو جاز لأحد أن يقول: يرفعها في حال دون حال، جاز عليه أن يقول: يرفعها حيث زعمت أنه يخفضها ويخفضها حيث زعمت أنه يرفعها، وهذا لا يجوز عندنا لأحد) [2] .
قال الماوردي رحمه الله: (واستحب [الشافعي] رفع الصوت بها في كل مسجد؛ لأنه ذكر لله تعالى، فكانت المساجد أولى البقاع به، لقوله - صلى الله عليه وسلم:(إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة) [3] ، وروي: أن سعيد بن جبير رحمه الله كان يوقظ الناس في المسجد ويقول: (لبوا فإني سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: التلبية زينة الحج) [4] [5] .
المناقشة: لا خلاف في كون التلبية من جملة الذكر وأنه يشرع رفع الصوت بها للرجل، ولكن الأمر في رفع الصوت بها في المساجد غير مساجد مكة، فقد ورد من الأدلة ما يمنع من رفع الصوت داخل المسجد بالقرآن وهو أعظم الذكر، فغيره من الأذكار من باب أولى، فهي مخصصة لعمومات الحث على رفع الصوت بالتلبية، وأما أثر سعيد بن جبير رحمه الله، فيعارضه ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما من عدم إجازته لرفع الصوت بالتلبية داخل الأمصار.
(1) انظر: الفروع لابن مفلح (5/ 392) .
(2) الأم (3/ 394) .
(3) سبق تخريجه ص ( ... ) .
(4) سبق تخريجه ص ( ... ) .
(5) الحاوي الكبير (4/ 90) .