غليظًا، قال ابن حجر رحمه الله: (وجه الدلالة: أنه توعد على ذلك بإحباط العمل، فدل على التحريم، بل على أنه من أغلظ التحريم) [1] .
ومن الأدلة: قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [2] .
وجه الدلالة: قال القرطبي رحمه الله: (أي لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض، وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها ... ومعنى الآية: الأمر بتعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته، وعند مخاطبته، أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق [3] ، لا أن تغمروا صوته بلغطكم وتبهروا منطقه بصخبكم) [4] .
قال الشوكاني رحمه الله: (والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور: ... والثاني عن رفع الصوت البالغ إلى حدٍّ يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو في خطاب غيره) [5] ، وقال ابن عاشور رحمه الله: (وقوله: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [6] نهي عن جهر آخر، وهو الجهر بالصوت عند خطابهم
(1) تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (3/ 297) .
(2) سورة الحجرات: آية (2) .
(3) الجامع لأحكام القرآن (19/ 360) .
(4) شية الأبلق: الشية هي اللون الذي يخالف معظم لون الفرس وغيره.
انظر: تهذيب اللغة للأزهري (11/ 204) ، الصحاح للجوهري (6/ 2524) .
(5) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (5/ 79) .
(6) سورة الحجرات (آية 2) .