وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في قصة حصار الطائف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إنا قافلون غدًا إن شاء الله، قال: فسكتوا، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [1] .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قصة الرجل الذي وقع على أهله في رمضان، قال الرجل: (على أفقر مني، والله ما بين لابيتها أهل بيت أفقر منا، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه [2] ، قال: فأنتم إذًا) [3] ،وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مستجمعًا قط ضاحكًا [4] حتى أرى منه لهواته [5] ، إنما كان يتبسم) [6] .
ولا منافاة بين حديث عائشة رضي الله عنها هذا وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله: (فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه) [7] .
وللعلماء في توجيه هذين الحديثين عدة مسالك من أقربها:
الأول: قيل المثبت مقدم على النافي، فيقدم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - على حديث عائشة رضي الله عنها، قاله ابن بطال.
الثاني: يحتمل أن يريد بالنواجذ الأنياب مجازًا أو تسامحًا، فقد ورد في لفظ للحديث: (حتى بدت أنيابه) [8] .
(1) رواه البخاري في الصحيح كتاب الأدب باب التبسم والضحك حديث (6086) (4/ 107) ورواه مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب غزو الطائف حديث (1778) (3/ 1402) .
(2) جمع أحمد الصديق الغماري جزءًا فيما وقع له من الأحاديث التي ورد فيها أنه - صلى الله عليه وسلم - ضحك حتى بدت نواجذه سماه بـ (شوارق الأنوار المنيفة) جمع فيها كثيرًا مما ورد فيه ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، وفي جمعه الغث والسمين.
(3) رواه البخاري في الصحيح كتاب الأدب باب التبسم والضحك حديث (6092) (4/ 108) .
(4) (مستجمعًا ضاحكًا) : (أي مبالغًا في الضحك لم يترك منه شيئًا، يقال استجمع السيل أي اجتمع من كل موضع واستجمعت للمرء أموره اجتمع له ما يحبه، وعلى هذا قوله(ضاحكًا) منصوب على التمييز وإن كان مشتقًا مثل (لله دره فارسًا) أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك، بحيث يضحك ضحكًا تامًا مقبلًا بكليته على الضحك). انظر: فتح الباري لابن حجر (10/ 506) .
(5) (اللهوات) : بفتح اللام والهاء جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم. فتح الباري لابن حجر (10/ 506) .
(6) رواه البخاري في الصحيح كتاب الأدب باب التبسم والضحك حديث (6087) (4/ 108) .
(7) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/ 505) .
(8) المرجع السابق.