الثالث: بالنظر في مجموع الأحاديث الواردة في هذا الباب يظهر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك حتى تبدوا النواجذ. الرابع: قيل: كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة، فإن كان في أمر الدنيا لا يزيد على التبسم [1] .
ويعكر عليه حديث أبي هريرة السابق، فقد قيل إن سبب ضحكه - صلى الله عليه وسلم - كان من تباين حال الرجل، حيث جاء خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أُعطيه من الكفارة، وقيل ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب، وحسن توسله في توصله إلى مقصودة [2] .
وصفوة القول ما ذكره ابن القيم رحمه الله في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الضحك: (وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه ... وأما بكاؤه - صلى الله عليه وسلم - فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة) [3] .
وعلى نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ترسم الصحابة رضي الله عنهم، فعن قتادة رحمه الله قال: سئل ابن عمر رضي الله عنهما: (هل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال) [4] .
وعليه: فالمنهي عنه في الضحك عدة أمور منها:
كثرته ورفع الصوت به وهو ما يسمى بـ"القهقهة".
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب) [5] .
(1) المرجع السابق.
(2) فتح الباري لابن حجر (4/ 171) .
(3) زاد المعاد في هدي خير العباد - صلى الله عليه وسلم - لابن قيم الجوزية (1/ 175) .
(4) رواه عبدالرزاق في المصنف كتاب الجامع لمعمر باب الإمام راع أثر (20671) (11/ 327) ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن عمر رضي الله عنهما (1/ 311) .
(5) رواه ابن ماجه في السنن كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء حديث (4193) (2/ 1403) وصححه الألباني في سنن ابن ماجه حديث (4268) (3/ 369) .