من المنكر المقيم عليه، فلا يجهر بهذا الذكر، بل يسر به، تمامًا كالحال في إنكار سائر المنكرات، يدور الإنكار فيها وتغييرها مع تحقق المصلحة وانتفاء المفسدة.
الثاني: إذا رأى المبتلى في دنياه، كمرض أو عاهة في جسده أو تلف في ماله، فيشرع له قول الذكر الوارد وحمد الله على العافية سرًا، لئلا يحزن أخيه المبتلى، ويوقع في نفسه الوحشة.
وهذا ما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم وهو ما قرره علماء الإسلام من التفريق بين هذين الضربين والنظر في المصلحة والمفسدة المترتبة على الجهر والإسرار بهذا الذكر، فعن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كره أن يسمع المبتلى الاستعاذة لِأَنْ لاَ يَغُمَّهُ ذلك [1] .
قال الترمذي رحمه الله: (وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن علي [2] أنه قال: إذا رأى صاحب بلاء يتعوذ، يقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء) [3] .
قال إبراهيم النخعي رحمه الله: (كانوا يكرهون أن يسألوا الله العافية بحضرة المبتلى) [4] .
قال النووي رحمه الله: (قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ينبغي أن يقول هذا الذكر سرًا، بحيث يسمع نفسه، ولا يُسْمِعَه المبتلى لئلا يتألم قلبه بذلك، إلا أن تكون بليته معصية، فلا بأس أن يُسْمِعَه ذلك، إن لم يَخَفْ من ذلك مفسدة، والله أعلم) [5] .
(1) رواه الطبراني في كتاب الدعاء، باب كراهية أن يسمع المبتلى الاستعاذة أثر رقم (802) (2/ 1171) ، وفيه نافع أبو هرمز ليس بشيء (تاريخ ابن معين برواية الدوري ترجمة(3828) (2/ 143) .
(2) السيد الإمام أبو جعفر محمد بن علي بن المدني ولد في حياة عائشة وأبي هريرة، كان أحد من جمع بين العلم والعمل والسؤدد والشرف والثقة والرزانة، كان أهلا للخلافة كان تاليا لكتاب الله كبير الشأن توفي سنة أربع عشرة ومائة بالمدينة.
وفيات الأعيان (4/ 174) سير أعلام النبلاء (4/ 401) الأعلام للزركلي (6/ 69) .
(3) سنن الترمذي أبواب الدعوات عن سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما يقول إذا رأى مبتلى (5/ 493) ولم أجد هذا الأثر مسندًا عن أبي جعفر رحمه الله فيما وقفت عليه من كتب مسندة.
(4) ذكره ابن عبد البر رحمة الله عليه في بهجة المجالس (1/ 385) ولم أجده مسندًا.
(5) الأذكار النووية (ص 258) وانظر: تحفة الذاكرين للشوكاني (ص 279) .