أما إذا كان القارئ لا يتأذى برفع صوته بالقراءة داخل المسجد أحد، ويأمن على نفسه من الرياء وطلب الشهرة فلا باس بجهره.
بل قد يتأكد الجهر ورفع الصوت إذا كان على سبيل التعليم، فعن عاصم بن كليب [1] عن أبيه [2] قال: (كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في المسجد، أحسبه قال: مسجد الكوفة، فسمع ضجة شديدة، فسأل ما هؤلاء؟ فقالوا: قوم يقرؤون القرآن أو يتلون القرآن، فقال: أما إنهم كانوا أحب الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) [3] .
ومما يدل على هذا: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمع قراءة رجل في المسجد، فقال: (رحمه الله، لقد أذكرني آيةً كنت أُنْسِيتُها) [4] .
وبهذا نعلم حرمة ما يفعله بعض القراء في بعض الأقطار الإسلامية من تخصيص ما بعد الأذان إلى إقامة الصلاة في أزمنة معينة لقراءة القرآن بصوت مرتفع داخل المسجد.
(1) عاصم بن كليب الجرمي الكوفي كان فاضلا عابدا، قال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه وقال ابن معين والنسائي: ثقة، توفي سنة سبع وثلاثين ومائة. تهذيب الكمال في أسماء الرجال (13/ 537) تهذيب التهذيب (5/ 56) الوافي بالوفيات (16/ 326) .
(2) كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم، له صحبة، روى له البخاري في كتاب رفع اليدين في الصلاة، والباقون سوى مسلم.
الاستيعاب (3/ 1329) الإصابة (5/ 495) تهذيب الكمال (24/ 213) .
(3) رواه البزار في مسنده (البحر الزخار) حديث (874) (2/ 95) ، وقد ذكره الهيثمي في كشف الأستار، باب في قراءة القرآن حديث (2324) (3/ 94) ، وقال عنه: رواه البزار، وفيه إسحاق بن إبراهيم الثقفي وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد (7/ 337) .
وذكر النووي رحمه الله في التبيان: (أنه رواه ابن أبي داود) (ص 107) يقصد بذلك المصاحف لابن أبي داود، وقد رجعت لكتابه المصاحف فلم أجده في المطبوع منه بتحقيق د/ محب الدين عبد السبحان واعظ، فالله أعلم.
(4) رواه مسلم في الصحيح كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب فضائل القرآن وما يتعلق به باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول (نسيت آية كذا) ، وجواز قول: (أُنْسِيتُها) حديث (225) (1/ 543) ، وهو في صحيح البخاري بدون قوله (في المسجد) في كتاب فضائل القرآن باب نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ وقول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) ... حديث (5038) (3/ 348 - 349) .