فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 448

المسرى: لكن بعض الناس قد يفسّر هذا بأنه ضعف أو تراجع أو هو استجابة لضغط واقع ما؟

الشيخ أبو قتادة: اسمعني؛ البشر بشر .. النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بئس أخو العشيرة) فلما دخل بشَّ له، ولما قال: (نِعم أخو العشيرة) ، فلما جاء لم يُعطِه ما أعطاه لمن بشَّ في وجهه؛ الواقع له قيمة وله ثِقله، لا يوجد أحد يقول: أنا فوق الواقع، هذا لا وجود له، لا يوجد أحد فوق الواقع وإنما هو محكوم، الإنسان محكوم بواقعه، محكوم بقدراته إلى غير ذلك ..

ولكن طالب العلم والذي يريد أن ينصح أمته يحاول أن يتخفَّف، ويحاول أن يفك القيود ويكسر الأغلال، لكنه في النهاية ابن زمنه وحياته وابن بيئته، ولا يمكن للإنسان أن يكون مطلقًا يعيش العالم كله، أنا ربما أقول كلمة وأنت مثلًا يأتيك رجل ويقول لك كلمة وينغّص عليك يومك وتظن أن الناس كلهم يكرهونك ولا يسمعون لك، لأنه جاء رجل وأفهمك هذا وأنت تعيش في وهم ..

وربما النَّاس ليسوا كذلك، تجد الأكثر يحبك، وربما أنت تظن أنَّ من حولك ربما ستة أشخاص يمدحونك ويرفعونك ومع ذلك أنت من أجهل الخلق، والناس يكرهونك .. فالإنسان ابن واقعه.

ولذلك أنا في (تفسير سورة الإسراء) قلت أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أخذه الله -عز وجل- عن طريق الإسراء والمعراج إلى السماء أراد منه أن يبيّن قيمته بعد عام الحزن، من أجل أن يرى عظمته من هو، من أنت لا تلتفت إلى من يعاديك، انظر من أنت، انظر إلى الملائكة كيف تستقبلك وتعرفك، انظر إلى شأنك انظر من أنت .. !

ولذلك الله -عز وجل- قال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ، وقلت هذه متناسقة مع مقصد السورة؛ لأنك حين تكون مسبّحًا لله وتشعر أنَّ الوجود يسبّح لا تشعر بالغربة، الغربة قاتلة حين تعيش الغربة أو تشعر بها حتى ولو لم تكن حقيقية فهي تقتلك، وبالتالي أنت إذا كنت مسبحًا لله والوجود يسبّح معك شعرت بالأُنس، ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أُخذ وعُرج به إلى السماء شعر بالأنس ورجع مليئًا بالغبطة والسعادة والفرح أنه {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} ..

وكذلك هنا أنت لما تكون جالسًا وأنت تسبّح فلا تشعر بالغربة، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ؛ وأنت تعيش والأشياء تسبّح وأنت تسبّح فما هي الغربة التي تعيشها؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت