ً وملكنا شعب قد ملكناه ... كانت تلك صرخة صادقة من صهيب، ذلك الشاب الذي لم يمر على إلتحاقه بالمجاهدين إلا أشهر قليلة.
وكانت طلقات الرصاص المنهمر من كل حدب وصوب كالسيل المنحدر لا تكاد تنقطع، وكانت المعركة غير متكافئة إطلاقا بين كتيبة للمظليّين مدجّجين بكل الأسلحة، وهم يحاصرون صهيبا وإخوانه الذين يعدّون على الأصابع بجبل"بوناب".
وبدأت المعركة، ويالها من معركة! بدأها صهيب بقتله لقائد المظلّيين وسلبه سلاحه، وأطلق صرخته الملتهبة؛"لا تخافوهم، إنهم جبناء"، وراح يردّدها ... ويردّدها؛ ففعلت فعلتها في قلوب الظالمين، وكان وقعها أشدّ من الرصاص، وهبّت رياح الإيمان، وتنزّلت بشائر النصر، واهتزّت جبال"بوناب"للواقعة، لتحفظها وترويها للأجيال القادمة.
لقد كانت بحق صورة رائعة للجيل الصاعد الذي تطهّر من دنس التراب، وطلق حطام الدنيا، وأعرض عن بهرجها وزخرفها، ولم تلطخه لوثة الإرجاء، ونظر إلى ديار الإسلام وقد باعها العملاء، وإلى الدين وقد صارت معالمه في خفاء، ثم تذكر قول الشاعر:
كم صرّفتنا يد كنّا نصرّفها
تراه كالطّير مقصوص جناحاه ... أنّى نظرت إلى الإسلام في بلد
فأسرّها في نفسه وعقدها بيعة صادقة مع ربه، على أن يمضي في طريق الجهاد لا يلوي على غيره، وإذا كان لأعداء الإسلام؛ بطشهم وسلطانهم وجندهم وإعلامهم وقصفهم وطيرانهم، فله رب ناصر وقاهر ومعين، وقد حثه في كتابه المبين: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} .
"لا تخافوهم، إنهم جبناء"...
نحسبها كلمة حكيمة تصلح في زماننا لكثير من دعاة الإنهزام ومخدّري الأمّة، ومروّجي بضاعة الانبطاح، وقاتلي العزائم في نفوس الشباب المسلم الذي هبّ لنصرة دينه وهو يرى حرمات الإسلام ومقدّساته تستباح في كل عام ألف مرة.
وحقيق بمن جبنت نفسه وهلع قلبه وضعفت عزيمته؛ أن يترك الشباب المجاهد يمضي في طريقه، فإنهم أقدموا حيث أحجم، وجهروا بالحق حيث سكت، وليبك على خطيئته وليعترف بضعفه، وليسأل ربه أن يعيذه من الجبن والبخل - كما كان يدعوا عليه الصلاة والسلام -
وأمّا أن يجعل النقص؛ فضلا! ثم يقفز هنا وهناك ليفلسف عاره، ويمجّد فراره، فتلك مثلبة جدير بصاحبها أن يلوذ بالاستتار بدل أن يلبس ثوب الافتخار.
"لا تخافوهم، إنهم جبناء"...
هو مثل صالح هاته الأيام أكثر من أي وقت مضى؛ للمسلمين في الجزائر مع الحكّام المجرمين، وقد جرّبوا قهرهم وجرائمهم، وقد عاشوا الظلم في أبشع صوره، ورغم أن صيحات المجاهدين طالما تعالت في أكثر من مرة بوجوب الجهاد في سبيل الله، ونصرة المجاهدين؛ عسى الله أن يرفع هذا الذّل، إلا أن هاته الصيحات لم تلق استجابة في المستوى المطلوب، واصطدمت بحواجز؛ أهمها الخوف من بطش الظلمة، والخوف من ذهاب لقمة العيش، والخوف من كساد التجارة، والخوف من ذهاب الزوجة والأولاد، والخوف من ترك المسكن والعيشة الهنية ... وأمام هاته المخاوف اللامتناهية يصلح أن يقال:"لاتخافوهم، إنهم جبناء".
غريب حقا عن الشعب الجزائري المسلم المعروف بشجاعته واعتزازه بدينه ورفضه للظلم، وهو الذي أخرج فرنسا الكافرة ذليلة منهزمة، كيف ينكسر أمام هاته الحفنة من الجنرالات منتفخي البطون، وهو الشعب الذي عرف بمثله المشهور؛"عش يوما ديك، خير من ألف يوم كدجاجة".
وهاهي اليوم سنوات طويلة تمضي ونحن نعيش كدجاجات، وها قد ذهب الدين، وذهبت الدنيا، وذهبت لقمة العيش، وذهبت الكرامة، وذهب المسكن، وذهبت العيشة الهنية، وحتى الماء ذهب هو الآخر، وما من شيء تركنا الجهاد لأجله إلا خسرنا منه القناطير المقنطرة، والطواغيت لا يقنعون بذلك بل يريدون دائما منا المزيد والمزيد، وما حصدنا في النهاية إلاّ الجوع والخوف، وضياع الدين والدنيا، وما زاد الظالمون إلاّ ظلما، وما زادت البلاد إلاّ خرابا وانحدارا نحو الضياع.
فهل آن للمكبوت أن ينفجر؟ وهل آن للمظلوم أن ينتصر؟
فإن العقلاء في كل أمة قد أجمعوا على أن الثورة على أوضاع هذا حالها، ثم الموت بعد ذلك؛ خير ألف مرة من الرضى والانصياع، فكيف ونحن مسلمون؟! وأبواب الجهاد في الجزائر قد فتحت على مصراعيها، والموت في سبيل الله شهادة وكرامة، و"يوم ديك خير من ألف يوم دجاجة"...
"فلا تخافوهم، إنهم جبناء"!
عن نشرة صدى القتال، العدد؛ 2
تصدر عن إعلام المنطقة الثانية
للجماعة السلفية للدعوة والقتال