إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا. مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.
أما بعد:
فهذا تذكيرٌ بأدبٍ عظيم مِن الآداب الشرعيّة التي ينبغي للمجاهد أن يتّصف بها؛ وهو بَذْل الجهد في قتال الكفار وترك الكسل والتثاقل.
وذلك أنّ الجهاد في سبيل الله هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في قتال الكفار، فما دام عندك أيّها المجاهد بقيّة وسعٍ في النَّيل مِن أعداء الله، فإنّ عليك بذله في ذلك.
وقد أمرنا الله عزّ وجلّ أن نتّقيه ما استطعنا، فقال سبحانه: {فاتّقوا الله ما استطعتم} ، فهذه الآية العظيمة تحثّ على العمل بتقوى الله - ومِن خصالها الجهاد في سبيل الله - ما استطاع العبد، وما استفرغ فيه وسعه وطاقته، فالآية حجّة لِمَن بذل كلّ وسعه في قتال الأعداء ولم يتكاسل.
وقال تعالى: {لا يكلّف الله نفسًا إلا وُسعها} ، فأنت أيّها المجاهد في سبيل الله؛ مُطالبٌ أن تبذل كلّ وسعك في قتال الكفار والنَّيل منهم، فعلى هذا مدار نصيحتنا، وأمّا ما خرج عن الوسع؛ فقد أخبر الله تعالى أنّه لا يكلّف به عباده، فالآية حجة أيضًا لِمَن جدَّ واجتهد وبذل وسعه في العمل بمرضاة الله جلّ وعلا.
وقال تعالى: {وسارِعوا إلى مغفرةٍ مِن ربّكم وجنّةٍ عَرْضُها السماوات والأرض أُعدَّتْ للمتّقين} ، وقال سبحانه: {فاستبقوا الخيرات} ، فالله جلّ وعلا أمرنا باستباق الخيرات والمبادرة إليها والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه، وهذا لا يكون مع الكسل والتثاقل عن الطاعة.
فما دام عند المجاهد بقيّة جهدٍ في النَّيل مِن الكفّار؛ فلْيسارع إلى مغفرة الله تعالى ورضوانه.
وسابِقْ أيّها المجاهد؛ أخوتك المجاهدين في كثرة النّكاية بالكفار، ونافسْ في هذا الأمر العظيم، فأصحاب الهمم العالية هم مَن يتسابقون في تحصيل معالي الأمور، وأمّا مَن قصرت همّته وقلّ نشاطه؛ فهذا دون أولئك مرتبةً بكثير.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) [جزء مِن حديث رواه مسلم] .
قال النووي: (ومعناه؛ احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة مِن الله تعالى على ذلك ولا تعجز، ولا تكسل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة) .
فهذه وصيّة عظيمة أوصى بها النبيّ عليه الصلاة والسلام، اشتملت على أمر العبد بالحرص على ما ينفعه.
وكلّ نَيلٍ تناله مِن الكفار؛ فإنّه ينفعك في زيادة الثواب، كما قال سبحانه: {ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخمَصةٌ في سبيل الله ولا يطَئون موطئًا يغيظ الكفّار ولا ينالون مِن عدوٍ نَيلًا إلا كُتب لهم به عمل صالح إنّ الله لا يُضِيع أجر المحسنين} .
فعليك أن تحرص على كلّ ما فيه نَيلٌ مِن الكفّار وإغاظة لهم.
ثمّ أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالاستعانة بالله، ونهى عن العجز، فالاستعانة بالله سبب لقوّة العبد ونشاطه، وسبب في تحصيل ما يريده العبد، فاستعنْ بالله أيّها المجاهد في قتال الكفّار، واعلم أنّه إنْ لم يُعِنك الله فلن تجد سبيلًا إلى النَّيل منهم، وأمّا إذا أعانك ووفّقك فإنّك ستنال منهم نيلًا عظيمًا بإذن الله.
فاستعن بالله وحده، وابذل جهدك في طاعة الله عزّ وجلّ، وإيّاك والعجز، فالمجاهد في سبيل الله ينبغي أن يكون قدوة في النشاط وفي الهمّة العالية والعزيمة الصادقة.
وقال النبيّ عليه الصلاة والسلام ( ... وإذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم) [جزء مِن حديث متفق عليه] .
فهذا الحديث العظيم مثل قوله تعالى: {فاتّقوا الله ما استطعتم} .
وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ يستعيذ بالله مِن العجز والكسل [كما في صحيحي البخاريّ ومسلم] .
فهذا يدلّ على أنّ العبد يدخل عليه الشرّ مِن هاتين الصفتين: العجز والكسل.
وقد حكى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حال صاحب الهمّة العالية في الجهاد، الذي يسارع على ظهر فرسه إلى مظانّ الموت بدون كسل ولا تثاقل، فقال: (مِنْ خير مَعَاش الناس لهم رجلٌ مُمسك عِنان فرسه في سبيل الله، يطير على مَتْنه، كلما سمع هَيْعَة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مَظانّه ... ) [جزء مِن حديث رواه مسلم] .
فصل:
فنصيحتي للمجاهدين في سبيل الله أن يبذلوا كلّ ما يستطيعونه مِن الجهد في قتال الكفّار، وأن يحذروا الكسل.
وأقول للمجاهدين؛ هذا ديننا، فلْنبذل مِن أجل نصرته دماءنا وأموالنا وطاقاتنا وأوقاتنا، ومَن كان كذلك فإنّه والله قد حاز شرفًا عظيمًا، فهنيئًا هنيئًا.
وكلّما أتعب المجاهد جسده في جهاد الكفّار؛ فإنّه يُثاب على قدْره، فبتفاوت النَّصب في طاعة الله يتفاوت الثواب.
كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها في أجْر عُمْرَتها: (ولكنّها على قدْر نفقتك أو نصبك) [جزء مِن حديث متفق عليه] ، وفي لفظ: (إنّ لك مِن الأجر على قدْر نصبك ونفقتك) [صحيح الجامع للألبانيّ وعزاه للحاكم] .
وما يصيب المجاهد في جهاده مِن العطش والتعب والمجاعة؛ فإنّه يُكتب له به عمل صالح، كما قال تعالى: {ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخمَصةٌ في سبيل الله ولا يطَئون موطئًا يغيظ الكفّار ولا ينالون مِن عدوٍ نَيلًا إلا كُتب لهم به عمل صالح إنّ الله لا يُضِيع أجر المحسنين} .
ولا ينفق المجاهد نفقةً في الجهاد، صغيرة ولا كبيرة، ولا يسير إلى عدوّه، إلا كُتب له كلّ ذلك، كما قال تعالى بعد الآية السابقة: {ولا يُنفقون نفقةً صغيرةً ولا كبيرةً ولا يقطعون واديًا إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} .
قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: {ولا يقطعون واديًا إلا كُتب لهم} : (ما ازداد قوم في سبيل الله بُعدًا مِن أهليهم إلا ازدادوا قُربًا مِن الله) [تفسير ابن كثير: 2/ 382] .
وقد مدح الله عزّ وجلّ الصحابة رضي الله عنهم باستجابتهم لله والرسول مِن بعد ما أصابهم الجراح والأذى، وذلك بكرّهم على الكفّار، وطلبهم لهم، فقال تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول مِن بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا مِنهم واتَّقَوا أجرٌ عظيم} .
فصل:
وأنت أيّها المجاهد في سبيل الله؛ على قدْر محبّتك للجهاد تكون همّتك ويتفاوت سعيك، وكلّما ازدادت المحبّة له ازداد السعي والنشاط فيه، وإنّما يتطرّق الكسل مِن نقص المحبّة. فاعمل على زيادة محبّتك لهذا العمل العظيم.
فمِن أسباب محبّته:
· أن تعلم أنّك تقاتل لإعلاء كلمة الله، لا لشيء آخر، فاستحضارك لهذه النيّة، وعَقْد القلب عليها سبب لمحبّة الجهاد.
· وكذلك فالمجاهد؛ أُسوته إمام المجاهدين، النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فمَن أحبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وحرص على التَأَسي به أحبّ شَمائله، ومِنها الجهاد في سبيل الله.
· وسبب آخر؛ وهو معرفتك فضائل الجهاد في سبيل الله، وما أعدّ الله للمجاهدين في سبيله مِن الكرامة والنعيم، فهذا أيضًا سبب لمحبّته وللمداومة عليه والنشاط فيه.
· وكذلك؛ فالجهاد مِن السمات اللازمة للطائفة المنصورة، فمَن أحبّها أحبّ سماتها وأفعالها، وبذل جهده في تحصيلها.
· وسبب آخر؛ وهو أنْ تعلم أنّك بجهادك للكافرين تطيع أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وتنال مرضاة الله تعالى.
· وسبب آخر؛ وهو أنّ جهادك سببٌ لنصر الدين، ولقمع الكفر والكافرين، فمَن أحبّ هذا أحبّ الجهاد، واستفرغ فيه وسعه.
· وكذلك؛ فالجهاد يحبّه الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فعليك أن تحبّ ما يحبّه الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وإذا أحببته بذَلتَ جهدك في القيام به.
فهذه بعض الأسباب لِمَحبّة الجهاد، وعلى قدْر تحصيلها تتفاوت محبّته، فيتفاوت بعد ذلك سعي العبد فيه.
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
كتبه؛ عبد العزيز بن محمد
في شهر رجب، مِن سنة 1427 للهجرة
في أرض الجهاد - العراق -