الكاتب: محمد بسام يوسف
قبيل معركة القادسية، التي هزم المسلمون فيها الفرس، أرسل القائد المسلم سعد بن أبي وقاص رضوان الله عليه -فيما أرسل- المغيرة بن شعبة إلى رستم قائد الفرس .. ولما دخل المغيرة عليه، ورأى مظاهر العبودية والاستعباد بين رستم وحاشيته، قال لهم: (كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى الآن قوما أسفه منكم، وإنا معشر المسلمين سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا، وكان أحسن لكم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض .. اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وإن ملكا مثل ملككم لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول!) [1] .
بعد أن انصرف المغيرة رضي الله عنه، وخرج من عند رستم، خرج خلفه رجل من الفرس ليقول له: (إن رستم رجل منجم، وإنه إذ رآك حسب لك ونظر في أمرك، فوجد أنك غدا تفقأ عينك) ، فأجابه المغيرة بكل ثقة واطمئنان وعز: (والله لقد بشرتني بخير، ولولا أن أجاهد بعد اليوم أشباهكم من المشركين الظالمين، لتمنيت أن عيني الأخرى ذهبت أيضا! .. ) [2] .
بمثل المغيرة رضي الله عنه هزم الله أقوى دولة في الأرض آنذاك .. ولعل الهزيمة المنكرة التي لقيها الفرس وقعت لسببين رئيسيين، حددهما بدقة البطل المسلم المجاهد المغيرة بن شعبة، هما:
1 -ابتعاد العدو عن منهج الله عز وجل، وبالتالي استعباد بعض الناس بعضهم الآخر، وممارسة الظلم.
2 -والإيمان المطلق لدى المسلم المؤمن، بأن الله عز وجل سينصره على أعدائه، بغض النظر عن التوازن في القوة المادية.
وهكذا كان المسلمون يدكون عروش الكفار ويهزمون المشركين، في القادسية واليرموك وحطين وعين جالوت و .. وغيرها، حيث تحقق في مثل تلك المعارك الفاصلة، ما لم يعتقد أحد من البشر أن يتحقق، وزالت دول وأمم، كانت تظن أنها باقية أبد الدهر! ..
وفي يوم بدر كانت قوة المسلمين -الظاهرة- لا تعادل ثلث قوة العدو، ومع ذلك فإن بدرا كانت ذات الشوكة، وكانت الفاصلة التي قصمت العدو، وهزمته شر هزيمة! .. ذلك العدو الذي قدم إلى يثرب وهو في أعلى درجات الثقة، بأنه سيسحق المسلمين، ويستأصل شأفتهم، معتمدا في ذلك على الحسابات المادية الصرفة! ..
لقد شاهدنا، وشاهد العالم كله، كيف هزمت الدولة اليهودية المزعومة في جنوبي لبنان، التي يعتبرها العالم أقوى دولة في منطقتنا العربية .. إذ تسابق جنودها بالفرار، وهم ينظرون خلفهم، ويتحسسون رؤوسهم وأعناقهم! ..
وهزمت الشيوعية، وهزم الاتحاد السوفييتي، وتفككت إمبراطوريته الأقوى في الأرض، بعد مقاومة عظيمة قدم صفحاتها المجاهدون المسلمون الأفغان، وعلى أيدي رجال لا يجدون ما يأكلون، ولا يعثرون على ما يلبسون! ..