فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 514

ربنا لم كتبت علينا القتال

[الكاتب: عبد الرحمن أبو ناصر]

تعددت الأسباب والموت واحد ... بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: {ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا} .

في هذه الآية وصف الله عز وجل لنا حال قوم كانوا يتشوّفون ويتشوّقون للجهاد في سبيل الله وملاقاة أعداء الله في وقت لم يكن الله قد أذن لهم بالقتال، وحينما كُتب عليهم القتال؛ تغيرت أحوالهم وانطفأت جذوة حماسهم، فتحولت تلك النفوس المتحمسة والمتعطشة لدماء المشركين إلى نفوس خائرة، واستعجالهم للقتال؛ تحول إلى تباطئ وتثاقل عنه والتمسوا لأنفسهم المبررات، {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} ، فجاء الرد مباشرة: {قل} أي؛ يا أيها النبي، قل لهولاء وأمثالهم ومن هو على شاكلتهم؛ {متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا * أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} .

وما أشبه الليلة بالبارحة فكم رأينا وكم سمعنا من أناس - علماء وعامة - يلتمسون لأنفسهم الأعذار المختلقة الغير شرعية حتى يُخْفوا سواد وجوههم ويقعدوا عن فريضة الجهاد في سبيل الله في الوقت الذي تدنس فيه الحرمات وتنتهك فيه الأعراض ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فما أشبه الليلة بالبارحة حينما تكررت نفس المقولة السابقة المذكورة في الآية؛ {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} ، هذه المقولة تكررت ولكن في قوالب شتَّى، وكلها تهدف إلى تأخير الجهاد وإرجائه إلى وقت لاحق!

{ربنا لم كتبت علينا القتال} ؛ لأن فيه استعجال لقطف الثمار وتأخير للدعوة وتضييق عليها وعلى الدعاة.

{ربنا لم كتبت علينا القتال} ؛ فعدونا ماكر ويتربص بنا الدوائر وعنده من الإمكانيات والقدرات والعدة والعتاد ما يستطيع به أن يبيدنا عن بكرة أبينا ولا نملك القدرة التي نواجهه بها.

{ربنا لم كتبت علينا القتال} ؛ فأكثر الذين خرجوا ونفروا إليه؛ مغرر بهم ... وأحداث أسنان ... ما عندهم علم ولا تربية ولا يرجعون إلى العلماء ولا يستشيرونهم.

{ربنا لم كتبت علينا القتال} ؛ فكثير من الشباب الذين نفرح بهدايتهم واستقامتهم ونعقد عليهم الآمال في المستقبل نفاجأ بأنهم قد انخرطوا في صفوف من يسمون أنفسهم بالمجاهدين، ولو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا وما أسروا بل لانتفعت الأمة بهم.

{ربنا لم كتبت علينا القتال} ؛ فقد ترك الأبناء ديارهم وأهلهم ... تركوا أمهاتهم يبكين ... وآباءهم يكتوون بلوعة فراق فلذات أكبادهم.

{ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} ؛ حتى نصلح أحوالنا ونُرَبِّي الأمة، وندخل في جميع التخصصات العالية فيكون عندنا الطبيب والأستاذ الجامعي والمهندس ... إلخ، وبهذا نكون قد استطعنا أن نؤسس القاعدة الصلبة التي تبدأ من عندها الانطلاقة الكبرى نحو الجهاد في سبيل الله ...

إن هذه الأحلام العريضة والآمال الواسعة والنظرة اللا محدودة ... إن هذه التخيلات كلها قد قطعها الله عز وجل بقوله: {قل متاع الدنيا قليل} ، إن هذه المدة التي تريدون أن تصلحوا فيها أحوالكم لهي دليل وأمارة على حبكم وركونكم إلى الدنيا، وإلا لو كنتم صادقين في إصلاح أنفسكم وأمتكم لاستجبتم لكلام ربكم وخرجتم من بيوتكم تطلبون الشهادة في سبيل الله وتنصرون المستضعفين من المؤمنين، لأن الله عز وجل هو أعلم بمصالح العباد، وهو الذي أمر بالجهاد في سبيله! فعلامَ إذن إرجاؤه؟ وعلامَ إذن تأخيره؟ {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .

{قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا} ؛ فأدركوا ما بقي من أعماركم وانفروا خفافًا وثقالًا عسى ربكم أن يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

{أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ؛ فالأعمار معدودة والآجال محدودة، ولكل نفس أجل، ولن يُنجي حذرٌ من قدر، وإن أفضل مِيتة ميتة الشهداء، ويكفي في فضلها أن النبي صلى الله عليه وسلم تمناها وقال: (وددت لو أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) .

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

فاللهم يا واحد يا أحد يا ذا الجود والكرم؛ امنن علينا بشهادة في سبيلك ننال بها أعلى الرتب في الجنة، واغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.

عبد الرحمن أبو ناصر

ليلة الأحد، 5/ 5/1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت